حب العمل يرفع مستوى صحة الإنسان

حب العمل يرفع مستوى صحة الإنسان

الجمعة - 10 رجب 1438 هـ - 07 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14010]
د. حسن محمد صندقجي
طبيب وباحث سعودي في المجال الصحي

أفادت نتائج دراسة رابطة الطب الأميركية AMA بأن غالبية الأطباء يُحبون عملهم، وهو ما يُعطي المرضى شيئاً من الراحة النفسية عند مراجعتهم وتعاملهم مع الأطباء. ومعلوم أن محبة مُقدم الخدمة للعمل الذي يقوم به، هي في حقيقة الأمر أساس في راحة متلقي تلك الخدمة. ولأن مهنة الطب بالأساس هي عمل إنساني يعتمد نجاحه، في جانب مهم منه، على ارتفاع مستوى الرغبة في تقديمه من قبل الطبيب لمريضه، فإن من أهم أسباب راحة المريض هي معرفته بأن غالبية الأطباء، ممنْ يقومون بتقديم تلك الخدمة الإنسانية له، يعشقون بالفعل ما يقومون به من أجل علاجه وزوال الألم والمرض عنه.
والواقع أن ثمة أسباباً كثيرة تجعل الأطباء يُحبون عملهم، ولكن يُمكن تقسيمها إلى سببين رئيسيين: الأول إدراكهم أن بذل الجهد في خدمة المريض يُسهم بشكل كبير في زوال المرض عنه أو تخفيف وطأته عليه، وهو ما يبعث على الشعور بالرضا عن النفس والأداء نتيجة الاستثمار في العلم الذي تعلموه والخبرة التي سعوا جاهدين في تحصيلها، والثاني إدراك الأطباء أن حب العمل له تأثيرات صحية إيجابية عالية على صحة منْ يقوم بالعمل بشكل يومي طوال سنوات عمره العملية.
ووفق ما تم نشره على موقع رابطة الطب الأميركية في الثلاثين من مارس (آذار) الماضي، قام الباحثون من الرابطة بإجراء استبيان في شهر فبراير (شباط) الماضي، وشمل 1200 طبيب وطالب طب، حول مدى محبتهم لعملهم الطبي الذي يُقدمونه للمرضى. وكان ثلث مجموعة المشمولين بالدراسة من الأطباء المتخصصين، وثلثهم من الأطباء في فترة التدريب لنيل شهادة التخصص، والبقية من طلاب الطب.
وكان الهدف من إجراء هذه الدراسة هو استكشاف الخبرات والتوقعات والتحديات التي يواجهها الأطباء في عالم متغير بشكل سريع في نوعية بيئة تقديم الرعاية الطبية. وتضمن الاستبيان أسئلة عن الوقت الذي عرفوا فيه أنهم يرغبون في دراسة الطب وجعله مهنتهم لبقية حياتهم العملية، ومن الشخص الذي حثهم إلى اتخاذ هذا الطريق في مستقبلهم العملي، والصعوبات التي يواجهونها حالياً، ومدى شعورهم بالرضا عن اختيارهم للطب كمهنة لبقية حياتهم.
وتبين أن تسعة من بين كل عشرة أطباء سعيدون جداً وراضون عن اختيارهم الطب مهنة وتخصصاً إنسانياً. وعلق الدكتور أندرو غيرمان، رئيس رابطة الطب الأميركية، بالقول: «ربما يعتري الأطباء نوع من الإحباط في بعض الأوقات، ولكن تقريباً كل طبيب يبقى واثقاً من صواب قراره في دخول عالم الطب ويستمر في الشعور بدافع الرغبة في مساعدة المرضى وتقديم الخدمة لهم».
وأفادت نتائج الدراسة أيضاً أن ثلاثة أرباع الأطباء اتجهوا إلى مهنة الطب بدافع الرغبة في مساعدة الناس وخدمتهم، وهو ما يُعتبر من المعايير والدواعي الراقية في انتقاء نوعية العمل الوظيفي والمهني الذي يختار المرء القيام به طوال حياته العملية. كما أفادت النتائج أن ثلاثة أرباع الأطباء كانوا يعلمون قبل بلوغهم سن العشرين أنهم يطمحون لأن يكونوا أطباء في المستقبل، وأن ثُلثهم كان لديهم تلك الرغبة قبل بلوغ سن المراهقة. وأفاد أكثر من ثلاثة أرباع الأطباء بأنهم ينصحون غيرهم بدخول عالم الطب والتخصص فيه، كما أفاد معظم الأطباء المشمولين في الدراسة بأن السبب الرئيسي لقرار دخولهم عالم الطب هو مرورهم بتجربة المرض في صغرهم وتعاملهم مع الطبيب.
والحقيقة التي تدل عليها كثير من نتائج الدراسات الطبية أن حب العمل المهني والوظيفي الذي يُمارسه المرء هو إحدى الوسائل المفيدة في رفع مستوى الصحة، والعكس صحيح. وكان الباحثون اليابانيون في دراستهم المنشورة في عدد أكتوبر (تشرين الأول) 2007 لمجلة «بحوث السمنة الإكلينيكية العملية» Obes Res Clin Pract، قد أفادوا بأن العاملين الذين لا يحبون عملهم هم أعلى عُرضة للإصابة بالسمنة، وأن كره العمل يُثبط همتهم عن ممارسة الرياضة البدنية والحرص على تناول الأطعمة الصحية والانخراط في الأنشطة الاجتماعية والأسرية.
ويختلط على الكثيرين فهم معنى «ضغوطات العمل» Job Stress ليتصورا أن المقصود العمل بكثرة أو لساعات طويلة، ولكن التعريف الطبي لضغوطات مكان العمل هو الشعور بالسوء والإحباط أغلب الوقت الذي يقضيه المرء في مكتب أو مكان عمله. ومعايشة هذه النوعية من مشاعر تدني الرضا بالعمل Job Satisfaction، كما أفادت دراسة الباحثين من دايتون بولاية أوهايوا والمنشورة في ديسمبر (كانون الأول) 2010 من مجلة «علم النفس المهني والتنظيمي» Journal of Occupational and Organizational Psychology، تُؤدي إلى تدني قوة جهاز مناعة الجسم، وتجعل المرء أكثر عُرضة للإصابة بالأمراض الميكروبية والأمراض المزمنة، إضافة إلى تسبب ذلك بارتفاع الإصابات بالاكتئاب. وتحديداً أفادت دراسة الممرضات التي شملت أكثر من 200 ألف ممرضة وقام بها الباحثون من جامعة هارفارد، بأن عدم الشعور بالسعادة في العمل يرفع من احتمالات الإصابة بالسرطان وأمراض القلب ومرض السكري. كما أفادت دراسات أخرى أن الشعور بعدم الرضا وكره العمل المهني والوظيفي الذي يمارسه المرء هو سبب رئيسي في تدمير العلاقات الزوجية والأسرية، وأيضاً يرفع من احتمالات الإصابة باضطرابات النوم.
والواقع أن المشاعر نحو العمل ليست من نوعية المشاعر التي من الصعب تغييرها، كالمشاعر نحو إنسان آخر مثل الزوجة أو الصديق، بل هي من نوعية المشاعر التي يجدر العمل على تحويرها وتوجيهها نحو ما فيه الخير والراحة الصحية للإنسان، ونحو أيضاً ما فيه رفع المستوى الاجتماعي والدخل المادي. ولهذا فإن ألكسندر كجيريلف، مؤلف كتاب «ساعات سعيدة من 9 إلى 5: كيف تحب عملك وتحب حياتك؟» يقول: «حتى لو كنت تكره عملك فإن عليك أن تقوم بالعمل على حبه»، ويُضيف: «إما أن تعمل على تحسين شعورك نحو عملك أو أن تترك ذلك العمل إلى عمل تحبه».
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة