من يعرف الحبال؟

من يعرف الحبال؟

الجمعة - 26 جمادى الآخرة 1438 هـ - 24 مارس 2017 مـ رقم العدد [13996]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
يعتز الإنجليز بتاريخهم البحري وانتصاراتهم في المعارك البحرية. ومن ذلك أن البحار تلعب دوراً كبيراً في تراثهم. من أناشيدهم الوطنية الذائعة نشيد «بريطانيا تحكم الأمواج». تتطلب قيادة السفن البحرية معرفة جيدة بأشرعتها وصواريها وحبالها. أول درس يتعلمه تلامذة البحرية التعامل بالحبال وعقدها.
وفي كل سفينة رجل يعرف الحبال، وهكذا شاع لديهم المثل الذي يُضرب في الحاذق في قيامه بواجبه، في أي مهنة من المهن، أو مهمة من المهمات، بأنه «يعرف الحبال».
الواقع أن كل الشعوب تدرك أهمية «الحبال» في أنشطتها، سلماً أو حرباً. لم يُعرَف العرب بركوب البحار في أوائل تاريخهم، ولكن أمثلة كثيرة تضمنها التراث العربي أشارت للحبال وعقدها وفكها. لم تكن لديهم سفن، ولكن الجمل (سفينة الصحراء)، كما سمَّوه، تطلب كثيراً من شد الحبال وفكها في سير القافلة. شاعت بوحي ذلك كثير من الأمثلة «الحبلية». لعل أبرز مثال على ذلك كان قولهم: «اختلط الحابل بالنابل». الحابل هو مَن يصطاد الحيوانات بالحبال والشباك، والنابل هو من يصطادها بالنبال.
وقد وجدوا أن الصيد يتطلب الفصل بين الطرفين. وعندما لا يلاحَظ ذلك تختلط الحبال بالنبال، وتشيع الفوضى في العمل. وأوحى ذلك بهذا المثل الشائع. وهكذا يقال إن الوضع في سوريا اختلط فيه الحابل بالنابل. وقد اشتقوا مثلاً آخر في هذا السياق، فقالوا إن الخياط جعل الحابل مثل النابل. والمعنى هنا أن الحابل لغة هو أيضاً سدى الثوب، والنابل لحمته.
اختلاط الأمور بما يجرّها إلى الفوضى وارتباك الأحوال أمر لفت نظر حكماء الأمة. نجد أصداء لكل ذلك في العالم العربي. فهم يقولون في تونس عن ارتباك الأمور: «يديروها الفيران ويوحلوا فيها الثيران». وتسمعهم يقولون في مصر: «هاتي يا سدرة... ودّي يا مدرة».
ويقولون في العراق: «ما تعرف راسها من أساسها». ومن أقوالهم الشائعة: «شليلة (بكرة خيوط) وضايع راسها»، وهو عنوان لأشهر مسرحية هزلية كتبها يوسف العاني، وشاع اسمها تنديداً بشيوع الفوضى والفساد في بلادهم.
بيد أن انفلات الأمور، وشيوع الفوضى، ليس ظاهرة عربية قاصرة علينا. لوحِظَ مثل ذلك في كثير من الأمم والشعوب. فهؤلاء الإنجليز الذين نعتبرهم مثالاً للتمسك بالنظام والاحترام، تسمعهم يقولون أيضاً إن «الوضع أصبح ستات وسبعات» sixes and sevens. ورغم كونهم أمَّة بحرية كما ذكرنا بأعلاه، فإنهم عرفوا أيضاً فلتان الأوضاع، فقالوا إن البلد أصبح مثل سفينة بلا قبطان، وهو قول آخر من تراثهم البحري.
وهذا ما يقابله في تراثنا العربي القول الشعبي: «سفينة وكثرت ملاليحها (ملاحيها)». وقد سمعتُ أحدهم أخيراً يقول ذلك عن الأوضاع في العراق. وكان المونولوجست الشهير عزيز علي قد ضمها في مونولوجاته.

التعليقات

محمد احمد محمد
البلد: 
القاهرة مصر
24/03/2017 - 06:47

فعلا الانجليز لهم تاريخ مجيد في المعارك البحرية.عندك مثلا القبطان الانجليزي الشهير نيلسون الذي دمر الاسطول الفرنسي لنابليون بونابرت في مصر في معركة ابوقير البحرية.الشيء العجيب ان بريطانيا على الرغم من تاريخها و تراثها و مع انها واحدة من اقوى و اغنى دول العالم و الجامعات البريطانية من اعرق الجامعات نجدها حاليا مههدة بالتفكك لان اسكتلندا تسعى للاستقلال .قبل ان اختم كلامي كنت اود ان اعرف رأيك يا استاذ خالد بما انك مقيم في لندن عن الحادث الارهابي الذي وقع بالامس في لندن.العجيب ان منفذ الهجوم شخص بريطاني المولد و لا اعرف ما الدافع لتنفيذ هذا العمل الاجرامي الجبان.

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
24/03/2017 - 08:07

استاذ خالد القشطينى
بمناسبة حديثكم اليوم عن الحبال يحضرنى مثلين : الاول يقال عن الشخص الذى يتباطأ فى انجاز ما يكلف بالقيام به من عمل ما , فلان هذا << حباله طويلة >> كناية عن طول الوقت الذى يستغرقه فى انجاز ما يكلف به , والثانى يقال عن الشخص الذى يعتمد على شىء او على شخص لا ترجى من ورائه فائدة او نفع فيقال عنه فلان هذا << متعلق فى الحبال الدايبة >> كناية عن ان ماتعلق به واعتمد عليه لن يوصله الى مبتغاه لانه كالحبل الهالك الذى اذا تعلق به شخص سقط به اى اخل به ,
وفى هذا المقام يجب الا ننسى حبال سحرة فرعون التى وردت فى قوله تعالى : " قال لهم موسى ألقوا ما انتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون انا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فاذا هى تلقف ما بأفكون فألقى السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون " كذلك حينما كلم الله

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
24/03/2017 - 08:20

يتابع
2-موسى قائلا " وما تلك بيمينك يا موسى قال هى عصاى أتوكأ عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مآرب اخرى " فاتخذ موسى من العصاة وسيلة لاستمرار الحديث مع الله اذ كان يكفيه ان يقول هذه عصاى فقط ويسكت ولكنه اراد ان يستمر فى الحديث مع الله فأضاف أتوكأ عليها , وأهش بها على غنمى , ولى فيها مآرب أخرى , على الرغم من ان الله سبحانه وتعالى لم يسأله عما يفعل بهذه العصاة , وسبحان الله حينما ألقى موسى عصاه فاذا بها تتحول بقدرة الله الى حية تسعى التقفت ما ألقى السحرة من عصى وحبال فكانت سببا فى ايمانهم بالله جل شأنه

محمد صباح الحواصلي
البلد: 
سوري مقيم في سياتل ، الولايات المتحدة
24/03/2017 - 17:03

على ذكر الحبال وأهميتها ، كنت مديراً للمشتريات في شركة أمريكية في مدينة سياتل، فطلب مني رئيس الشركة أن اشتري حبالا ثخينة متينة طويلة ، فسألته عن السبب ، فسار أمامي نحو احدى نوافذ البناء في الطابق الثامن وقال: "في حال اندلاع النيران في المبنى ، وتعذر استخدام المصعد والسلم ، بإمكان الموظفين النزول إلى تحت بواسطة الحبال." وفي اجتماع الشركة الدوري شرح الرئيس فكرته وأقر شراء الحبال ، وسط ذهول الموظفين. وتم شراء الحبال.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة