أما وأن الشعر هو الرياضة الوطنية للعراقيين، فلا بأس من الاستهلال بواحد من أبيات معلقة الشاعر طرفة بن العبد:
ستُبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً
ويأتيك بالأخبار من لمْ تُزوّدِ
ترحّل طرفة باحثاً عن أطلال خولة ومات قبل أن يدرك زمن التواصل الاجتماعي الذي كان كفيلاً بأن يجمعهما صديقين على «فيسبوك». أما الخبر الذي أتاني، دون أن أزوّد، فهو عن مشروع لمترو الأنفاق في مدينة المنصورة، بتنفيذ مصري وتمويل صيني. ولم أعرف عن المنصورة، من قبل، سوى أنها سُمّيت كذلك لأن النصر تحقق فيها على الحملة الصليبية التي قادها لويس التاسع ملك فرنسا. وسمعت أن بنات المنصورة أجمل المصريات. وهذه كلها تفاصيل للوصول إلى لبّ الخبر: ستحمل إحدى محطات مترو المنصورة اسم عبد السلام عارف (1921 - 1966).
بسقوط طائرة عمودية، قضى ثاني الرؤساء العراقيين بعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958. وقال الإعلام الرسمي إن الحادث قضاء وقدر. وتطوّع الناس للقول إنه مُدبّر. فقد كان لعارف خصوم كثر. اختلف مع رفيقه عبد الكريم قاسم فعاقبه الزعيم بإرساله سفيراً لدى ألمانيا الغربية. كم يتمنى الواحد منا لو يخرج على الصراط المستقيم لعله يفوز بواحدة من تلك العقوبات. ثم صدر على عارف حكم بالإعدام بتهمة التآمر على قاسم. لكن هذا الأخير عفا عنه وأودعه الإقامة الجبرية. ثم انقلب عارف على قاسم ولم يرحمه. أعدمه في استوديو الموسيقى بإذاعة بغداد. وبثّ التلفزيون مشاهد بشعة للجثث مع أغنية لشكوكو عن «الزعيم الهمشري». وتملص عارف من تلك الفعلة، مثلما تنكر آخرون لمجزرة العائلة المالكة الهاشمية، وكلها جرائم نُفذت دون محاكمات. أخطر ما فيها النكث بقسم الولاء العسكري.
كان قاسم وعارف من المقربين من الملك والوصي على العرش ومن نوري السعيد، وتذكر السيدة وفاء، ابنة عبد السلام عارف، في حديث لقناة «العربية»، أنها رأت الثلاثة يزورون والدها في منزلهم. وكان نوري السعيد يتبسط مع عبد الكريم ويسميه «كرّومي». وإذا كانت غالبية العراقيين قد حزنت على الملك الشاب فيصل الثاني، فإنها أيدت الثورة. واليوم هناك من يسميها انقلاباً. ومهما اختلفت الآراء فإن كلاً من قاسم وعارف حكم بعقلية الضابط، لا السياسي المُجرّب. وظل كلاهما بسيطاً في معيشته. ولعل الوحيد الذي نافس عارفاً في بساطته كان شقيقه عبد الرحمن، الرئيس الذي خلفه في الحكم.
أقيمت للرئيس قتيل الطائرة مراسم تشييع نقلها التلفزيون. وانتحب المذيع الذي انهارت أعصابه وقام بمهمة «العدادة» على خير وجه. لكن خصوم الرئيس لم يرحموه من نكات انتهكت حرمة الموت. وبسبب من علاقته الوطيدة بالرئيس جمال عبد الناصر، خيّم الحزن على المصريين أيضاً. وأطلقوا اسمه على شارع في المنصورة.
تشاء المصادفات أن ألتقي، بعد سنوات، بموظف في السلك الدبلوماسي العراقي في باريس، قيل لي إنه نال منصبه بفضل أخيه. من هو أخوه؟ النقيب الطيار قائد المروحية التي سقطت بالرئيس عارف وعشرة من كبار المسؤولين، لقد نفّذ خطة إسقاطها مضحياً بنفسه معهم. أنقل ما سمعت لا أقل ولا أكثر ولا أستبعد شيئاً. فقد مات كل من تعاقبوا على حكم العراق بالقتل أو بميتات مشتبه بها، قبل وبعد تأسيس الدولة في عشرينات القرن الماضي وحتى الغزو الأميركي، 2003، باستثناء عبد الرحمن عارف الذي غادر الحكم بالتي هي أحسن. واصل حياته حتى الشيخوخة ومات ميتة ربه. والأمر ليس بأفضل في دول عربية أخرى. ولهذا يشعر العربي بالحسرة حين يرى خمسة رؤساء أميركيين سابقين، وثلاثة فرنسيين، ما زالوا على قيد الحياة، توجه لهم الدعوات لحضور المناسبات الوطنية الكبرى، يتصافحون ويجلسون الجنب للجنب.
بصوته، أذاع عبد السلام عارف البيان الأول للثورة وإعلان الجمهورية. وانتهي اسماً لشارع في المنصورة وربما لمحطة مترو بتمويل صيني. هو الذي كان عروبياً حد التطرف. إن الثورات لا تشبع من التهام أبنائها.
11:53 دقيقه
TT
محطة عبد السلام عارف
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
