د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث أكاديمي ليبي. أستاذ مشارك في جامعة بنغازي الليبية. مهتم بالكتابة في القضايا العربية والإسلامية، وكتب في الشأن السياسي الليبي والعربي في صحف عربية ومحلية؛ منها: جريدة «العرب» و«القدس العربي» و«الشرق الأوسط» اللندنية. صدرت له مجموعة كتب؛ منها: «رؤية الثورات العربية» عن «الدار المصرية اللبنانية»، و«الحقيقة المغيبة عن وزارة الثقافة الليبية»، و«ليبيا بين الفشل وأمل النهوض». وله مجموعة قصصية صدرت تحت عنوان «معاناة خديج»، وأخرى باسم «أيام دقيانوس».
TT

دول الساحل والصحراء وخوالف «داعش»

استمع إلى المقالة

تواجه دول الساحل والصحراء عودة الإرهاب والإرهابيين في مناطق مختلفة منها، ولعلها ليست فقط مرتبطة ببعض خوالف تنظيم «داعش» وأخواته فقط، بل بمن تركهم من أطفال ونساء وبضعة رجال؛ فمنهم من آوته مخيمات الاعتقال في سوريا ونُقل للعراق، ومنهم من استطاع الهرب إلى الصحراء وتموضع بين مالي والنيجر والصحراء الليبية الكبرى.

فتنظيم «داعش» يشكل تهديداً في منطقة الساحل والصحراء التي تعد من البؤر الساخنة والتي ينشط فيها، بعد هزيمته وانهياره في العراق وسوريا. بدأ هروب عناصر التنظيم نحو أفريقيا، قارة المستقبل الغنية بثرواتها الطبيعية، كنقطة تموضع، خصوصاً أنه سبقته تنظيمات محلية تابعة لـ«داعش» مثل «بوكو حرام» إلى صحراء ليبيا والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل وغرب أفريقيا، كما ينشط «داعش» في المناطق الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث مثلّث ليبتاكو - غورما في منطقة الساحل الأوسط.

كما تتنافس وتتحارب وتتقاتل التنظيمات الإرهابية الرئيسية الثلاث: «داعش» و«بوكو حرام» و«القاعدة» من أجل الهيمنة على أفريقيا من خلال بوابة الساحل، وحوض بحيرة تشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون، حيث استغلت هذه التنظيمات انهيار الدولة في ليبيا بعد عدوان حلف الناتو عليها عام 2011، مما تسبب في إسقاط الدولة بدل النظام، وانتشرت الفوضى والسلاح.

في بلد مثل ليبيا يربط بين الساحل الأفريقي في الشمال (البحر المتوسط بقرابة 2000 كلم) والجنوب والوسط الصحراء الكبرى أيضاً بقرابة المسافة نفسها، ما يشكل داعماً رئيسياً لهذه التنظيمات بالسلاح، خاصة أن حلف الناتو أسقط الدولة في ليبيا تاركاً مخازن السلاح التي جمعها نظام القذافي لأكثر من أربعين عاماً عرضة للنهب والتهريب.

اليوم دول الساحل والصحراء، وعلى رأسها ليبيا، تواجه محاولات إعادة إنتاج «داعش» وتموضعه في الصحراء الليبية الكبرى، الأمر الذي يشكل خطراً على ليبيا، وتهديداً إقليماً ودولياً خطيراً، خاصة مع اتساع رقعة الصحراء الليبية وصعوبة ملاحقة عناصر «داعش» فيها، إذا ما تحصنت بجبال تبستي والعوينات الوعرة، في ظل غياب قدرة فعلية للحكومة الليبية على السيطرة على حدود طويلة تتشارك فيها مع 6 دول أفريقية أغلبها تعاني من ضعف حكومات المركز فيها، وتنتشر فيها عصابات التهريب من بشر إلى مخدرات وسلاح، وتتقاطع مصالحها مع «داعش» الذي يحاول أن يجد له حاضنة ولو بين كثبان الرمال في الصحراء.

الفكر المتطرف لا يزال لم يعالج بفكر مضاد، أو وجود أي خطة بديلة لتحديث المناهج والخطاب الديني في بعض الأماكن، الأمر الذي يجعل من عودة «داعش» ممكنة إذا وجد مجدداً من يحمل فكره ويقاتل من أجله.

خوالف «داعش» البشرية لا تقل أهمية عن الفكر المنتج له والتأويل الخاطئ ضمن منهج تكفيري مدروس منذ أن أعاد صياغته منظّر الإرهاب سيد قطب، بعد أن أعاد كتابة أفكار أبي الأعلى المودودي، مؤسس الجماعة الإسلامية في باكستان، بعد تبنّي مفاهيم خاطئة عن «الحاكمية» بوصفها عقيدة سياسية، و«الجاهلية» كوصف للمجتمعات المعاصرة وتقسيمها إلى فسطاطين: فسطاط «داعش» وإخوانه، وفسطاط الجاهلية.

تنظيم «داعش»، كغيره، مارس الاستغلال للمجتمعات المهمّشة، خاصة في بلدان الفقر والجوع مثل مالي والنيجر وتشاد، واستفاد التنظيم في وجوده في الصحراء الكبرى من السخط السائد ضد الدولة والسلطات المحلية، واستغل النساء والأطفال كانتحاريين، بعد تجنيدهم في صفوفه. ووفق ما خلصت إليه دراسة لجامعة جورجيا الأميركية، لم يكن مخفياً ولا مستغرباً أن 39 في المائة من أطفال «داعش» نفذوا هجمات انتحارية.

إن جماعات الإسلام السياسي أسهمت في تمدد «داعش» وإخوانه، وعملت على استغلال وجودها والتمكين لها بوصفها جيوباً عسكرية حليفة تحقق بها أهدافاً مشتركة في مناطق توتر كثيرة في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، حيث أمدّتها بالسلاح والمال، والتغاضي عن وجود عناصرها، بل عملت هذه الجماعات على تهريب المقاتلين والمرتزقة لصفوفها، وجميعها مسميات متعددة لحصان طروادة الإخواني للوصول إلى السلطة.

فتنظيم «داعش» المسمى في الإعلام الغربي «تنظيم الدولة الإسلامية» الذي ابتدعه البغدادي مع رهط من السفهاء، منبع دستوره كتاب «إدارة التوحش» الذي اتخذه البغدادي منهجاً لإدارة دولة الرعب، فالتنظيم خطط لأن يترك خوالف له بعد أن أدرك نهايته الوشيكة بوصفه مشروع «دولة» الرعب والتوحش والجهل.

أعتقد أن الأزمة أزمة فكر وافتقار لمعالجة طرق التفكير التي تسببت في إنتاج منهج خاطئ؛ فـ«داعش» ما هو إلا الوجه الآخر لخوارج الماضي، واستمرار وجود تلك الأفكار في بعض الأماكن سيجعل من «داعش» وأخواته يتكرر من حين لآخر، لتكتب صفحات بل مجلدات من الدم، ما دام أن الخوالف لم تتم معالجتها؛ فهي تبقى كالخلايا السرطانية تتمدد ما دامت سمحت لها الظروف المحيطة للقضاء على الجسد.