أستغرب دائما من الأشخاص الذين يطلقون الأحكام السلبية المسبقة، وزاد استغرابي من آراء البعض حول فعالية «فاشن فوروورد» الحدث الأبرز للموضة الذي أقيم بدبي أخيرا، على أساس أنه لم يكن بالمستوى، أو أقل قوة من الموسم الأول، أو أنه طموح أكثر من اللازم، وغيرها من الآراء. كان بعضهم عندما يسألني عن رأيي تلوح من أعينهم نظرة كأنها تحفزني على الموافقة على رأيهم. يستغربون من إيجابيتي، وعوض التمسك برأيهم وإقناعي به، يبدأون بإيجاد الأعذار لما كانوا يرونه أخطاء وثغرات، مما جعلني أتأكد أن الدافع ما هو إلا انتقاد من أجل الانتقاد لا أقل ولا أكثر.
كانت هذه أول مرة أحضر فيها الفعالية، لكنني سمعت عنها كثيرا. كانت الآراء متضاربة، لهذا، حضرت وأنا مستعدة لكل الاحتمالات، ولحسن حظي وجدت الإيجابي أكثر من السلبي. من الناحية التنظيمية، كان أفضل من الكثير من أسابيع الموضة العالمية التي ما زالت تتخبط منذ عشرات السنين، بدءا من مكان العرض، في مدينة الجميرا، الذي كان خلفية مناسبة بأجوائه ومساحته، ويعكس ثقافة دبي في توفير الراحة، إلى جدية المشرفين عليه. فقد كانوا متحمسين لإنجاحه بشكل يصيب بالعدوى، والأهم من هذا أنهم كانوا يدركون أنه في بداية الطريق وأنه لا يمكنهم ادعاء أنه أسبوع موضة قائم بذاته، على الأقل ليس في الوقت الحالي.
روما لم تبن في يوم واحد، و«فاشن فورورد»، للمتسرعين للانتقاد، أقول إنه لا يزال طفلا لا يتعدى عمره عاما وبضعة أسابيع، ومن ثم لا يمكن مقارنته بأسبوع نيويورك، أو ميلانو أو باريس التي يعود تاريخ أصغرها إلى أكثر من عشرين سنة.
إذا كان هناك مأخذ على الفعالية، فإنه ليس في التنظيم، ولا في فكرته أو محاولاته لكي يصل إلى العالم، بل في نوعية المصممين، الذين لا يزال بعضهم يافعا لا يفهم معنى الصبر والعمل الجاد والابتكار. الصبر لأنهم يتسرعون النجاح، وكل من تتكلم معه يريد أن يكون إيلي صعب الجديد، من دون أن يعرف أن هذا الأخير عصامي قضى سنوات طويلة قبل أن تعترف به أوساط الموضة ويفرض نفسه على الساحة العالمية. العمل الجاد أنهم لا يفهمون كل جوانب عملهم، فلكي تكون مصمما، لا يعني فقط المهارة في الرسم على الورق وفي اختيار الألوان والأقمشة أو تصور امرأة في حفل بفستان مطرز وفخم، بل هو إلمام بالجوانب اللوجيستية الأخرى مثل الإنتاج، واحترام وقت التسليم وما شابه من أمور أساسية لإنجاح أي مشروع. أما الابتكار، فهو تقديم الجديد، عوض التقليد، ولا بأس من صدم الناس بهذا الجديد حتى وإن لم يرق لهم في البداية، طالما يتضمن بين ثناياه بذرة أسلوب خاص سيتطور مع الوقت. فالمعروف في كتب تاريخ الموضة أنه ليست كل التشكيلات التي قدمها الراحل إيف سان لوران مثلا قوبلت بالترحاب، بل تعرض بعضها للانتقاد الشديد والمقاطعة، ومع ذلك استمر على نفس النهج إلى أن فرضه على الجميع، لأنه كان مبدعا. المشكلة التي يعانيها «فاشن فوروورد» أنه ولد في فترة لا يزال طلاب «إسمود» وغيرها من معاهد الموضة في بدايتها، ولم يتخرج بعد عدد كاف من الطلاب يتنافس بعضهم مع بعض للاختلاف والتميز. وهذا ما سيحصل بلا شك بعد خمس سنوات من الآن أو أكثر. المهم هو الاستمرارية وعدم التعرض للإحباط الذي قد يضعف مشروعا رائعا تحتاجه المنطقة وتعمل عليه جهات متخصصة لا تفتقد الرؤية الصحيحة بقدر ما تفتقد أدوات التطبيق القوية. هذه الأدوات هي: مصممون مبدعون لا يخافون كسر القوالب، والعوم ضد التيار على شرط أن يكون الاختلاف بغرض الإبداع وليس من أجل الشهرة.
TT
«فاشن فوروورد».. بين التنظيم والإبداع
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
