الجراثيم الفائقة... وهندسة غرف المرضى

الجراثيم الفائقة... وهندسة غرف المرضى

الجمعة - 11 جمادى الآخرة 1438 هـ - 10 مارس 2017 مـ رقم العدد [13982]
د. حسن محمد صندقجي
طبيب وباحث سعودي في المجال الصحي

ثمة جوانب مثيرة للقلق لدى الأوساط الطبية، لذا فإنها تحرص على التعامل معها عبر معرفة الأسباب لنشوئها، والعوامل المساهمة في انتشارها، وكيفية التغلب عليها. وتمثل «البكتيريا الفائقة» أو «الجراثيم الفائقة» SuperBugs أحد تلك الأمور المثيرة للقلق لدى الأوساط الطبية اليوم على المستوى العالمي، التي تحاول أن ترصد وتتعامل مع أي مصدر محتمل يتسبب في نهاية الأمر بوصولها إلى المرضى.
ومصطلح «الجراثيم الفائقة» هو من ابتداع وسائل الإعلام لوصف أنواع من البكتيريا التي لا يمكن القضاء عليها باستخدام مضادات حيوية متعددة. وكما يقول الدكتور ستيفن كالديروود، رئيس المجمع الأميركي للأمراض المُعدية: «إنه مصطلح ذو صدى لأمر مخيف، ولكن في الحقيقة لا يُوجد تعريف حقيقي للجراثيم الفائقة».
أما الدكتور براين كوومبيس، من جامعة ماك ماستر في أونتاريو، فيوضح أن الأطباء يستخدمون غالباً عبارة «البكتيريا المقاومة لأدوية مضادات حيوية متعددة» Multidrug - Resistant Bacteria، لأن البكتيريا الفائقة ليس بالضرورة لديها القدرة على مقاومة جميع أنواع المضادات الحيوية، بل قد تكون هناك أنواع من البكتيريا التي لا يُمكن إلاّ لنوع أو نوعين من المضادات الحيوية فقط قدرة للقضاء عليها. ويُضيف أن أي نوع من أنواع البكتيريا قد تنشأ منها أو تتحول هي نفسها إلى بكتيريا فائقة.
وهي الحقيقة التي تؤكدها المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض واتقائها (CDC)، بقولها إن سوء استخدام المضادات الحيوية هو العامل الرئيسي والوحيد المساهم في نشوء هذه المشكلة الصحية ذات العمق الشديد. ومن أهم مظاهر سوء استخدام المضادات الحيوية: تناولها دون حاجة طبية مُلحّة لذلك، أو عدم إتمام تناول المضاد الحيوي للفترة المقررة من قبل الطبيب لضمان القضاء على تلك البكتيريا التي تسببت بالمرض في أحد أجزاء الجسم.
ولتوضيح «العمق الشديد» لهذه المشكلة، يختصر الأطباء ذلك بقولهم إن على عموم الناس إدراك أن ارتفاع تناول المضادات الحيوية يعني ارتفاع مخاطر ظهور البكتيريا الفائقة، والمضادات الحيوية بالنسبة للطب الحديث هي فئة «الأدوية الأساس» الذي يرتكز عليها في نجاحاته المعاصرة، وتحديداً في معالجة السرطان، وفي زراعة الأعضاء، وفي جراحات القلب والأعصاب والجهاز الهضمي والصدر والبطن، وفي الولادة والحمل، وفي التعامل مع جائحات أوبئة الأمراض البكتيرية، وهي مجموعة النجاحات التي وصل إليها الطب الحديث خلال السبعين سنة الماضية. وحينما تعجز المضادات الحيوية المتوفرة عن القضاء على البكتيريا، وتنتشر بالتالي البكتيريا الفائقة، فإننا نصل إلى حالة تؤثر بشكل عميق في تحقيق نجاحات الطب الحديث.
وإذا كان هذا السبب الرئيسي لظهور البكتيريا الفائقة، يأتي السؤال: كيف تتسرب وتصل إلى المريض؟
الباحثون من كليفلاند كلينك في أوهايو عرضوا ضمن عدد مارس (آذار) للمجلة الأميركية لمكافحة العدوى American Journal of Infection Control، نتائج دراستهم مدى انتشار البكتيريا الفائقة على سطح أرضيات غرف المرضى. ولاحظوا في نتائجهم أن البكتيريا الفائقة توجد على سطح أرضيات غرف المرضى بكميات تفوق أي توقع لدى العاملين الطبيين، وتفوق بكمياتها ما قد يوجد على أي أسطح أخرى في تلك الغرف، مثل الأثاث أو السرير أو الأبواب وغيره، مما يعني ضرورة الالتفات إلى هذا الأمر، ضمن أي جهود تقوم بها المستشفيات لمكافحة العدوى Infection Control. وفحص الباحثون أسطح أرضيات 159 غرفة مريض في خمسة مستشفيات بمناطق في كليفلاند. وهو ما علّق عليه الدكتور أبهيشيك ديشباندي، الباحث الرئيس من كليفلاند كلينك، بالقول: «جهود تحسين مستوى تطهير بيئة المستشفيات تركز عادة على الأسطح التي تُلامسها أيدي المرضى ومُقدمي الرعاية الطبية، هذا على الرغم من أن أسطح الأرضيات أشد تلوثاً بالبكتيريا الفائقة، ومن الممكن أن تنتقل منها إلى المريض وملابسه والأجهزة الطبية، إلا أنها تلقى اهتماماً أقل في التطهير لأنها قليلاً ما تلامسها الأيدي».
وكان الباحثون من جامعة فرجينيا قد نشروا، ضمن عدد 24 فبراير (شباط) الماضي لمجلة علم الميكروبات التطبيقي والبيئي Applied and Environmental Microbiology، نتائج دراستهم حول معرفة كيفية وصول البكتيريا الفائقة إلى المرضى وغرفهم. وأفاد الباحثون في نتائج دراستهم أن محاربة البكتيريا الفائقة يجب أن تبدأ من أحواض الغسيل في المستشفيات Hospital Sinks، خصوصاً في غرف المرضى. وأضافوا أن البكتيريا الفائقة تتكاثر في تمديدات أنابيب أنظمة التصريف الصحي في المستشفيات، ويمكن بالتالي أن تنتشر عبر فتحات أحواض الغسيل داخل أجزاء المستشفى، ومنها قد تصيب المرضى. وقال الباحثون إن نتائج الدراسات السابقة أكدت أن المرضى يموتون بسبب البكتيريا الفائقة أثناء وجودهم بالمستشفيات، وأن نتائج 32 دراسة سابقة أظهرت كذلك أنه يوجد في أحواض المستشفى أنواع من البكتيريا المقاومة حتى للملاذ الأخير المتوفر من المضادات الحيوية، وهو عقار كاربابينم Carbapenem.
وقالت الدكتورة إيمي ماثر، الباحثة الرئيسية في الدراسة من جامعة فرجينيا: «أردنا أن نفهم كيف تنتقل البكتيريا من أحواض الغسيل كي نقلل من العدوى بالبكتيريا». وبعد صناعة نماذج لأحواض الغسيل في المختبر، وتلويث أنابيب التصريف فيها بأنواع من البكتيريا، ومراقبة نموها وانتشارها، لاحظ الباحثون أن البكتيريا تنمو وتتكاثر نحو فتحة صفّاية الحوض Sink Strainer، وأن نموها الزاحف يكون بمعدل واحد بوصة كل يوم، وتحديداً أخذت رحلة البكتيريا أسبوعاً واحداً فقط من أنبوب التصريف وصولاً إلى فتحة الصفّاية لحوض الغسيل. وقال الباحثون ما إن تصل البكتيريا إلى الفتحة الخارجية حتى تبدأ بالانتشار على أسطح الحوض كله والأسطح القريبة منه.
والواقع أن مثل هذه البحوث هي من فئة التجارب والدراسات التي بدأت في الانتشار، بغية دراسة وفهم هندسة بيئة المستشفى Hospital Environment Engineering، وتأثيرات كثير من مكوناتها ومرافقها وأثاثها وتصاميمها وتوزيع الضوء والصوت وغيره على صحة المرضى وعلى الزائرين لهم، وعلى العاملين بالمستشفيات، وهي بحوث تجمع بين الهندسة في الإنشاء والتشغيل وجوانب متعددة في العلوم الطبية العلاجية والتطبيقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة