الولايات المتحدة... وهن {الديمقراطيين} وذبولهم!

الولايات المتحدة... وهن {الديمقراطيين} وذبولهم!

الجمعة - 5 جمادى الآخرة 1438 هـ - 03 مارس 2017 مـ رقم العدد [13975]
أمير طاهري
صحافيّ وكاتب ايرانيّ مثقّف لديه اهتمامات واسعة بشؤون الشّرق الاوسط والسّياسات الدّوليّة
{ماذا بقي للديمقراطيين في الولايات المتحدة»؟

كان هذا السؤال الذي طرحته مجموعة من الصحافيين في حفل عشاء خاص على شرف أحد كبار أعضاء الحزب الديمقراطي الأميركي في إحدى المناسبات في العاصمة البريطانية لندن.

ومع الإصرار التام على الالتزام بقواعد تشاتام هاوس، التي تعني عدم نقل الاقتباس باسم صاحبه، عرض العضو الكبير تقدمة تهدف إلى الإعراض التام عن نكسات الحزب الأميركي الكبير، بما في ذلك خسارة البيت الأبيض لصالح الرئيس الجمهوري دونالد ترمب، واصفاً إياها بمزيج من الحوادث المؤسفة مع قدر لا بأس به من سوء الحظ.

ولكن، هل هناك استراتيجية واضحة لدى الحزب الديمقراطي للعودة إلى السلطة؟ وقال العضو الديمقراطي الكبير ساخراً: «مهما يحدث، فإن التركيبة السكانية الأميركية تفضلنا».

وما يقصده بالتركيبة السكانية هنا هي وجهة نظر «البوفيه المفتوح» للولايات المتحدة، التي تنقسم الأمة وفقاً لها إلى قائمة من الهويات المنقسمة بين التيارين السياسيين الكبيرين. والافتراض القائم يدعو إلى أن غالبية المنتمين لهذه التيارات المنقسمة سيصوتون على الدوام لصالح الديمقراطيين. ولقد وصف الرئيس السابق أوباما هذه الشريحة من المواطنين الأميركيين بقوله «ائتلاف قوس قزح»، وهو تحالف يضم المواطنين الأميركيين الأفارقة، والأميركيين من أصول لاتينية، واليهود، والعرب، والمسلمين، والأميركيين الأصليين، والمثليين، الذين ساعدوه في الفوز مرتين في الانتخابات الرئاسية.

وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، رغم كل شيء، فشل هذا التحالف في تعبئة جهوده لهزيمة دونالد ترمب.

واعتماداً على «ائتلاف قوس قزح»، تجاهلت السيدة كلينتون شريحة مهمة من الناخبين، وهم العمال من أصحاب الياقات الزرقاء من الولايات الصناعية القديمة والمعروفة باسم حزام الصدأ. وكانت خسارتها في هذه الولايات السبب الرئيسي في خسارتها للانتخابات.

وفقاً لتحليل التركيبة السكانية التي يشيرون إليها، فإن الشريحة الأوروبية البيضاء من سكان الولايات المتحدة، التي تشكل نسبة 69 في المائة من إجمالي تعداد السكان لعام 2016 ستشهد انخفاضاً لمستوى 50 في المائة بحلول عام 2030. أما المواطنون الأميركيون اللاتينيون، الذين يشكلون أسرع المجتمعات الأميركية نمواً من حيث التعداد، من المرجح أن يظهروا كشريحة الأغلبية من تعداد السكان في ما لا يقل عن خمس ولايات، بينما ستتحسن قوى المواطنين من أصول أفريقية الديموغرافية في ثماني ولايات. ووفقاً للحسابات نفسها، فإن المواطنين من أصول لاتينية، وغيرهم من الأقليات الأميركية، سيصوتون دائماً لصالح الحزب الديمقراطي.

وكل ما على المخطط الاستراتيجي فعله هو ضمان جمع ما يكفي من الأصوات من كل شريحة من شرائح الناخبين للحصول على مفتاح (50+1) السحري للوصول إلى السلطة. وليست هناك حاجة إلى وضع السياسات المتماسكة، ناهيكم عن الأسس الآيديولوجية الراسخة. كل ما يحتاج إليه المخطط الديمقراطي هو المرشح الانتخابي، والشعار الانتخابي، والتصويت في الانتخابات كي يحقق الفوز.

وذلك هو السبب في أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي أنفق فيها ما يقرب من 1.5 مليار دولار على «الحملات»، قد فشلت في التعامل مع قضية رئيسية واحدة من قضايا الحياة الأميركية من منظور يوضح بجلاء المقترحات السياسية حيال تلك القضية. وكل ما كان على دونالد ترمب فعله هو تكرار استخدام الشعار الأميركي المستهلك: «لنجعل أميركا أمة عظيمة مرة أخرى»، بينما كانت هيلاري كلينتون تأمل في الفوز فقط لأنها ليست مثل دونالد ترمب!

من جانبهم، حاول الجمهوريون تسويق أنفسهم بوصفهم مدافعين عن «المواطنين الأميركيين الحقيقيين»؛ مما يعني على وجه التحديد أولئك الذين يخشون أن يتحولوا إلى أقلية داخل المجتمع الأميركي وفي بلادهم. وكانت النتيجة هي «قبلنة» السياسات الأميركية (توحيد السياسات الأميركية على أسس قبلية وعشائرية) التي من شأنها إلحاق الأضرار الكبيرة بالهياكل الديمقراطية في البلاد.

لعبت الانقسامات الإقليمية، والعرقية، والدينية على الدوام دوراً ما في السياسات الأميركية. وعلى مدى عقود كانت الولايات الجنوبية أكثر ميلاً للحزب الديمقراطي في ردة فعلها على الحرب الأهلية الأميركية التي خسرتها ولايات الجنوب لصالح ولايات الشمال الأميركي تحت قيادة رئيس ينتمي إلى الحزب الجمهوري، ونزعة «الاستشهاد» التي أعرب عنها المبتزون الانتهازيون من سكان الشمال. ومنذ عقد الستينات بالقرن الماضي وحتى الآن، رغم كل شيء، تحولت نفس الولايات الجنوبية إلى الحزب الجمهوري، في ردة فعلها الجزئية على الإصلاحات التي فرضها الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون لصالح الأميركيين من أصول أفريقية. وفي الوقت نفسه، كانت الولايات الإنجليزية الجديدة، وهي المعقل الأصلي للعقيدة الجمهورية، تحولت على نحو مفاجئ إلى رقائق انتخابية تؤيد الآيديولوجيا الديمقراطية.

وعلى مدى عقود أيضاً، كانت ولاية كاليفورنيا أحد أكبر معاقل الحزب الجمهوري، وخرجت منها شخصيات بارزة مثل الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، ورونالد ريغان. أما الآن، ومع ذلك، وبعدما فقدت غالبية الطبقة البيضاء من المواطنين ذوي الأصول الأوروبية، صارت ولاية كاليفورنيا من محاضن الفوز الأكيدة التابعة للحزب الديمقراطي.

والتراجع بالسياسة إلى مستوى الحسابات الانتخابية يعبر عن فشل واضح في رؤية الأخشاب في الأشجار.

عبر العقود الثلاثة الماضية، سيطرت حالتان جدليتان متوازيتان على السياسات الأميركية. وكانت الحالة الجدلية الأولى تتعلق بالقضايا الاجتماعية وأنماط الحياة مثل المساواة بين الجنسين، والميول الجنسية، ووسائل منع الحمل، والإجهاض، وعقوبة الإعدام، وحيازة الأسلحة، والتنوع الديني، وتصحيح المسار السياسي.

وإجمالا للقول، من الممكن الإشارة إلى أنه حيال أغلب هذه القضايا كان الديمقراطيون دائماً ما يفوزون في حلبات الجدال والمناقشة.

ومنذ عقد التسعينات، ارتكب الجمهوريون خطأً برفضهم الاعتراف بالخسارة إزاء هذه القضايا، وبالتالي إقصاء شريحة كبيرة من الناخبين المؤيدين لهم. ويعني هذا الرفض أنه منذ عام 1989، مع استثناء فوز الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش بفترة ولايته الثانية في البيت الأبيض في عام 2004، لم يفز أي مرشح ديمقراطي في الانتخابات الرئاسية بأغلبية عدد أصوات الناخبين.

علاوة على ذلك، وفي سياق الحرب الباردة، عمد الجمهوريون إلى تسويق أنفسهم بوصفهم حزب الحرب، على الرغم من أن الديمقراطيين هم من أدخلوا الولايات المتحدة في هذه الحروب كافة منذ بدايات عقد التسعينات من القرن الماضي.

أما الحالة الجدلية الثانية، فكانت تتعلق بالقضايا الاقتصادية في سياق العولمة التي دافعت الولايات المتحدة فيها عن التجارة الحرة، وأسست آلية الاتفاقية العامة للتعريفة الجمركية والتجارة (غات)، وتزعمت جهودها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

في بادئ الأمر، اتخذ الجمهوريون موقفاً مناهضاً للعولمة، ذلك الذي عكس الاتجاهات الحمائية والاشتراكية التي دائماً ما أيدوها على هامش المسار السياسي منذ عقد الثلاثينات عبر شخصيات مثل نورمان توماس وابتون سينكلير، التقليد الذي جرى إحياؤه على نحو جزئي على أيدي السيناتور بيرني ساندرز.

وفي عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، رغم كل شيء، تحول الديمقراطيون إلى العولمة وبشكل كبير، حيث أفادت النخب الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية المؤيدة لهم. وعبر هذه العملية تجاهلوا الأضرار التي ألحقتها العولمة بالقاعدة التقليدية الحضرية من أصحاب الياقات الزرقاء المؤيدين للحزب الديمقراطي.

ولقد فاز دونالد ترمب، على نحو جزئي، بسبب أن عدداً كبيراً من الأميركيين يعتقدون بانقضاء زمن التعددية الثقافية والعولمة. ومع ذلك، قد يقع الجمهوريون في الخطأ إذا ما افترضوا أن ذلك يعني الرغبة في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء نحو عقد الخمسينات من القرن الماضي.

ليس بإمكان الديمقراطيين الفوز من خلال اتخاذ منعطف جديد حيال التعددية الثقافية والعولمة، والمناهضة المستمرة لسياسات ترمب. بل إن ما يحتاجون إليه هو إرساء أسس استراتيجية شاملة من الإصلاح وإعادة ضبط الاتجاهات السياسية.

وبدلاً من محاولات توجيه الضربات تلو الضربات ضد الرئيس الجديد من خلال الدق المستمر على طبول الراديكالية الجوفاء، على غرار ما يفعله السيناتور ساندرز، يحتاج الحزب الديمقراطي إلى الانتقال إلى حالة سواء، حيث يمكنهم استرداد الفضاء المفتقد تحت قيادة أوباما غريبة الأطوار.

وهذا يستلزم ما هو أكثر من مجرد الحسابات الانتخابية المجردة.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر