مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

إيران وإجبار الخليج على الكره

استمع إلى المقالة

لكل شيء بدايةٌ، أو «المرةُ الأولى»، وليست العلاقاتُ ولا السياساتُ ثوابتَ صخريةً صماءَ لا تلين ولا تتغير، فالذي يصنع السياسات وينسج الاستراتيجيات الجديدة هي الوقائعُ الجديدة، ذاتُ الأثر العميق والوزن الثقيل... ومن ذلك العلاقةُ مع النظام الإيراني المنسوجِ من عباءة «وليّ الفقيه» والمُدارِ من نخبةِ ضباطٍ وساسةٍ تشربوا هذه الآيديولوجيا حتى الثمالة.

كان يمكن لدول الخليج وكل جوار إيران «التعايشُ» مع نظام بمثل هذه الأفكار، مهما بلغت من الغرابة والانفصال عن الواقع أو الاستقالة من العقل كما مر الوصف هنا، وَعَدُّ نوعيةِ النظام الحاكم شأناً يخص شعب إيران فقط، وقد سعت دولُ الخليج كلُّها إلى التعايش مع نظام طهران منذ وصل تلاميذ المرشد الأول إلى الحكم عام 1979، وليس من حاجة هنا إلى سرد المحاولات الخليجية، بما في ذلك محاولاتُ كبرى دول الخليج، أعني السعودية، في هذا الصدد... لكن في كل مرة يردّ قادةُ النظام التحيةَ بما لا يسرّ!

ستنتهي هذه الحربُ العَوانُ اليوم أو غداً، وستَبقى دول الخليج وستبقى إيران، مع هذا النظام أو مع غيره، بهذه الصيغة أو تلك... لكن هيهات أن تبقى الثقة وما يُبنى عليها... لقد حوّل نظامُ طهران نفسَه إلى «خطر وجودي» على جواره الخليجي، وهناك مَثَلٌ شعبي في بعض المجتمعات الخليجية يقول: «ما دون الحَلْق إلا اليدين» وتفصيله: «ليس إلا القوة العارية للدفاع عن النفس إذا وصلت يد العدو إلى عنقي»!

إيران، أو للدقة نظامُها الخميني، تخسر حتى من رصيدها الخليجي الذي كان معها بِوُدٍّ بالغ إلى وقت قريب، ولعل مثال دولة قطر من أوضح الأمثلة.

السيد بندر العطية، السفير القطري في العاصمة السعودية الرياض قال لـ«العربية.نت» إن العدوان الإيراني السافر تجاه الأراضي القطرية، ودول الخليج «أحدث شرخاً واسعاً في الثقة مع إيران، وسيترك أثراً عميقاً تجاه مستقبل العلاقات الخليجية - الإيرانية».

كيف تُستعاد هذه الثقة؟

يقول السفير القطري: «إيران وحدها من بيدها (إزالة) الشرخ الواسع في الثقة عبر الأفعال لا الأقوال، ودول الخليج ستتعامل مع إيران في المستقبل بشكل مختلف في كل المجالات».

نعم هناك علاقاتٌ ونفسيات ومقاربات خليجية جديدة ستكون مع إيران بعد هذه الحرب.

نحن في خضمِّ العدوان الإيراني على مدنِ الخليج، ومع ذلك نجد في التسجيل الثاني المنسوبِ إلى المرشد الغائب الثالث؛ مجتبَى خامنئي، ابنِ المرشد الثاني علي خامنئي، زَعْمَهُ أن إيران «تشترك مع دول الجوار في العقيدة وفي المصالح»، وفي مواجهة ما سماها «قوى الاستكبار العالمي».

عن أي جوار يتحدث المرشد الغائب؟

جلُّ جيران إيران لم يعرفوا من النظام هذه الأيام إلا قصفَ المطاراتِ ومنشآتِ النفطِ وصناعاتِه ومخازنِه وخطوطِه، وقصفَ الفنادق والشوارع، وإرسالَ خفافيش المسيّرات السامة إلى أجواء المدن الخليجية.

هل يتخيل المرشد الغائب دولاً وجغرافيا وبشراً بجوار إيران غير الذين نعرفهم ويعرفهم العالم كله؟!

مرة أخرى: مهما كان وقت وكيفية انتهاء هذه الحرب، ومن يعلن النصر فيها، وبأي تعريف يكون هذا النصر، فإن «اللاشعورَ» الخليجي الجمعي - دعك من مقتضيات السياسة وحسابات الساسة - هو النظرُ إلى سلطات إيران الحاكمة اليوم بوصفها «العدو»... بـ«أل» التعريف.