في المقالة السابقة عبرت عن شعور يراودني منذ سنوات بأن الثقافة في عالم اليوم ليست في أحسن أحوالها. وأنا أعود في هذه المقدمة للحديث عما قصدت إليه في هذه العبارة، ثم أنتقل منه لأبدأ حديثي عن ثقافتنا العربية.
أعود لأوضح ما أردت أن أقوله في المقالة السابقة عن الثقافة في عالم اليوم، وعن حالها التي أرى أنها ليست أحسن أحوالها، وهي مسألة مطروحة بإلحاح تستحق أن ينظر فيها الجميع ويشاركوا في مناقشتها، لأن ما يعرفه البعض لا يعرفه البعض الآخر.
وأنا أشعر بعدم الرضا عن ثقافة العالم في هذه الأيام لأسباب؛ أولها أنني أسيء الظن في هذه التكنولوجيا التي فرضتها الدول الكبرى علينا وعلى العالم، لتحل محل البشر في كل نشاط وفي كل مجال، وتصرفهم عن مواصلة سعيهم الملحمي للكشف عن الجميل والجليل والمجهول والمعقول في أنفسهم وفي العالم بما يحقق لهم ما ظلوا يحلمون به، ويتخيلونه، ويعبرون عنه في هذه الفنون والعلوم والفلسفات التي أبدعها الإنسان. هذه الثقافة التي ظلت تتوهج عبر العصور تبدو لي في هذه السنوات الأخيرة كأنها تتراجع لاهثة مذعورة أمام هذه الزواحف المعدنية الشريرة التي حلت محل العقل والقلب والخيال والذاكرة، وانفردت بالعالم، فأنا أجدها حيثما تلفتّ يمنة ويسرة في أيدي الجميع؛ الرجال والنساء، والأطفال والشباب والشيوخ، والمثقفين والأميين. لا أنكر أن لها بعض الفوائد، لكنها باسم هذه الفوائد تعصف بنا في الحاضر والمستقبل، وكأنها هي صاحبة الحق في هذا الزمن الذي يبدو كأنه زمنها وليس لنا فيه مكان، وهذ هو الاغتراب الذي عبرت عنه بقولي إن الثقافة في عالم اليوم ليست في أحسن أحوالها. وهي عبارة تشير إلى ترددي في التصريح بما قلته وشعوري بعدم اليقين، ففيها تعميم لا يجوز، لأن ثقافات العالم متعددة ومختلفة، والذي يبدو لي منها قليل من كثير. فإذا كان هذا الشعور الذي عبرت عنه صحيحاً إزاء بعض الثقافات أو بعض ما يقدم منها، فهو لا يصح بالضرورة على غيرها، ولهذا استدركت وأوضحت أني لا أعبر عن موقف أو رأي وصلت إليه بعد تفكير وتأمل، وإنما هو شعور أو انطباع قابل للمراجعة. وقد استخدمت في التعبير عنه عبارة تعمدت ألا تكون صريحة أو محددة، فقلت إن الثقافة ليست في أحسن مستوياتها. وهي عبارة لها أكثر من معنى، خصوصاً وأنا أتحدث عن ثقافة العالم.
صحيح أني قارنت بين ما نراه في الثقافة الفرنسية الآن وما كنا نراه من قبل، فقلت إن الإنتاج الثقافي الراهن في فرنسا لم يحافظ على مستواه السابق، لكنّ هذا مثلاً واحداً ومرحلة يمكن أن تكون عابرة. فإذا كنت أوضحت ما أردت أن أقوله عن الثقافة في عالم اليوم، فما الذي أستطيع أن أقوله عن ثقافتنا؟
أقول إن العبارة التي استخدمتها في حديثي عن تراجع الثقافات الأخرى، ليست كافية للتعبير عن شعوري بالأسى لما تتعرض له ثقافتنا في هذه الأيام. وأنا هنا لا أعبر عن مجرد انطباع من بعيد، وإنما أتحدث عما أعرفه وأشارك فيه ويعرفه مثلي الكثيرون، فبوسعهم أن يروا فيما أقول رأيهم، فضلاً عن أني في هذا الحديث لا أتعرض لهذا الإنتاج من حيث قيمته الفنية التي يجوز أن نختلف في تقديرها، وإنما أفكر فيما يؤديه هذا الإنتاج في رسم شخصيتنا وتوحيد كلمتنا، وتمكيننا من تعويض ما فقدناه في عصور التخلف، واللحاق بمن تقدموا.
أتحدث عن الظروف التي نمارس فيها نشاطنا الثقافي، وعما نحتاج إليه لنصل بهذا النشاط إلى المدى الذي يستطيع فيه أن يكون ضوءاً كاشفاً، وعقلاً راجحاً، وطاقة محركة.
أتحدث عن الدور الخلاق الذي تؤديه الثقافة في حياة الأمم ولا تستطيع أمة أن تستغني عنها، لأنها لا توجد إلا به. وأتساءل عن وعينا بهذه الحقيقة، وعما نقدمه الآن للثقافة لتنهض وتؤدي دورها في حياتنا.
وأنا أتحدث بالطبع عن ثقافتنا القومية كما تتمثل في تراثنا المكتوب بلغتنا الفصحى في الأدب، والفكر، والعلم، وفيما نقدمه نحن في هذا العصر ونضيفه لما قدمته الأجيال السابقة ونطوره وننميه. وأول ما يجب علينا أن نقدمه لثقافتنا القومية هو أن ننظر في المكان الذي تحتله لغتنا الفصحى في حياتنا لنعرف ما تواجهه من أخطار، وما تحتاج إليه من طاقات تبعث فيها روحاً جديدة تمكنها من أداء وظائفها في هذا العصر الذي نعيش فيه.
نحن نعرف مكان الفصحى في حياتنا، ونرى ما يفرضه عليها هذا المكان من أوضاع تحتاج لمواجهة مدروسة، وجهود جادة منظمة دائبة ينهض بها كل المتحدثون بهذه اللغة التي قاومت ما تتعرض له من أخطار، وظلت تواصل المقاومة حتى الآن. لكنها رغم إصرارها على مواصلة المقاومة لا تستطيع أن تتغلب وحدها على الأوضاع التي تنال من طاقاتها وتهدد وجودها.
الفصحى مهددة داخل كل قطر من أقطارنا بالعامية التي لم تعد تزاحمها في حياتنا اليومية فحسب؛ وإنما أصبحت تزاحمها في الأدب والفن كذلك؛ في الشعر الذي لم يعد زجلاً بل أصبح في العامية فناً مثقفاً، وفي الرواية في الحوار الذي يدور بين الشخصيات، وفي الغناء، والمسرح، والسينما، والإذاعات المسموعة والمرئية. وها هي العامية تطالعنا هذه الأيام في بعض الصحف اليومية والمجلات الأسبوعية، إضافة إلى ما نجده في المقالات والأخبار المكتوبة بالفصحى وفي الكتب من أخطاء.
وإذا كانت الفصحى تعاني في كل قطر عربي من القطيعة التي تبتعد فيها العامية عنها فلا تتأثر بها ولا تقترب منها؛ بل تزداد بعداً عنها يوما بعد يوم، فهي تعاني في الوقت ذاته من القطيعة التي نشأت بين بعضها وبعضها الآخر، بين الفصحى في كل قطر والفصحى في بقية الأقطار. وهكذا أصبحت ثقافتنا العربية معرضة تتمزق وتتناثر وتفقد وحدتها، وبدلاً من أن تكون آصرة ورابطة تحفظ للعرب شعورهم بوحدتهم وتمكنهم من دعمها في هذه المرحلة من تاريخهم التي لا يتعرضون فيها للأخطار المقبلة من الخارج فحسب؛ بل يواجَهون بهذه الأخطار في بعض أقطارهم من داخلها!
نعم! الثقافة بالنسبة لنا نحن العرب شرط وجود!
وسوف نواصل.
