محمد رُضا
صحافي متخصص في السينما
TT

الحياة ثقافة

لا يستطيع المرء أن يمسك الجاذبية بيده. هذا علم.
لكنه يستطيع أن يفهمها. هذه ثقافة.
لا يستطيع المرء أن يفهم لغة الطيور الصوتية أو الفيزيائية (البدنية). لكنه يستطيع أن يتمتع بها ويرى فيها تلامسًا شعريًا أو موسيقيًا. هذه ثقافة.
لا يستطيع الكثيرون منا إجادة العزف على الأدوات الموسيقية لكن هذا لا يمنع من الذوبان في ألحان شايكوفسكي أو مولر الكلاسيكية أو الاندماج في عزف مايلز ديفيز على الترومبيت، أو يوسف لطيف على تينور ساكسفون، أو هيربي هانكوك على الأورغ، أو أن تستمع إلى ملوك البلوز الثلاثة ألبرت كينغ وفريدي كينغ وب. ب. كينغ. ولا أن تسلم فؤادك إلى صوت فيروز أو محمد عبد الوهاب أو وديع الصافي. هذه ثقافة.
لا يستطيع معظمنا الرسم، لكن التمتع بالنظر إليه يحمل منسوبًا من الأناقة الجمالية. هذه ثقافة.
لا يقدر كثيرون على التواصل مع الشعوب الأخرى ولا مع التاريخ الذي مضى ولا حتى كنه الحياة الطبيعية، لكن دخول المتاحف ممكن، وهذه ثقافة.
في السينما، لا يستطيع كل واحد منا الوصول إلى مخرجه الفذ وسؤاله (معظمهم مات على أي حال)، لكنه يستطيع أن يذوب داخل الفيلم ويفهمه ويخرج إلى الحياة كما لو أنه وُلد من جديد. هذه ثقافة.
كل ما سبق ثقافة أفرزتها أزمنة التاريخ في كل مكان وعلى تعدد الأزمنة. الشعوب قد لا تحسن التعبير عن أحوالها وطبائعها وثقافاتها الإنسانية، لكنها جميعًا لديها من بادر للتواصل كاشفًا عن مزايا ثقافته، ومقبلاً على التعرّف على مزايا ثقافة الآخرين.
الثقافة هي التي تجعلنا نتواصل ونتفاهم ونتسامح ونتعلم ونبتسم، ونحب، ونجعل الحياة أفضل مما هي عليه.
الثقافة تجعلنا نريد أن نزداد معرفة وعلمًا وإدراكًا: إذا كنت تحب الفراشات فستقرأ عنها. إذا كان القمر يستهويك ليلاً تريد أن تسهر ناظرًا إليه مستمتعًا بصوت الصمت. إذا كان الأدب مرصدك تقرأ فيه فتنتقل إلى سواه أو تمضي فيه بعيدًا.
الثقافة تأخذك إلى حيث لا تأخذك الأحداث ومجرياتها. السياسة ومناهجها. التقاليد وروابطها. الثقافة هي أن تصبح شخصًا أفضل أو لا تصبح. تكون أو لا تكون.
بل هي شريك في درء المطامع العدوانية التي نحن في وسطها الآن. جار يسعى للاستحواذ على الدول الضعيفة ونشر المذهبية وضعضعة استقرار الدول القوية. وقوى متطرّفة تضرب في كل مكان آمن. تبني جبالاً من الجماجم وتطمح أن تغزو العالم. سبقها إلى هذا الحلم وسقط في شراكه الإسكندر المقدوني وهولاكو وهتلر. الثقافة تجعلك لا تنحرف ولا تستجيب للمتآمرين. تجعلك تذود عن وطنك بكل ما تستطيع. تجعلك مواطنًا صالحًا، وإن كنت صالحًا تجعلك صالحًا أكثر. تجعلك تستمد أفضل ما في التاريخ لتأسيس أفضل ما يمكن للمستقبل أن يوفره للجيل المقبل.
وهي، مثل الهواء والماء، متاحة. في هذا الصيف اجعل هدفك أن تشتري كتابين في الشهر. إن كنت في لندن أو باريس أو فيينا، ادخل متاحف التاريخ ومتاحف الفن ومرابع الموسيقى الراقية. جرب المسرح بمفهوم جديد. شاهد أفلامًا كلاسيكية. وإن كانت كلها تحتاج إلى شجاعة قرار، لمَ لا تجلس في «البارك» وتنظر إلى نعم الخالق حولك؟ ستجد نفسك تطلب المزيد. إنها حياة واحدة على الأرض، فلمَ لا نتعلم منها قبل فوات الأوان؟