التقنية هل تحدّت القيم العربية؟!

التقنية هل تحدّت القيم العربية؟!

الخميس - 2 شوال 1437 هـ - 07 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13736]
فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي

تمكّنت الثورة المعلوماتية المهولة من صنع مجالها التحليلي، بغية الوصول إلى مكنونها بوصفها إشكالية ذات أبعادٍ متعددة. في بداياتها كانت موضع استبشارٍ لأنها ستقرّب البعيد، وتفتت الحدود، وتهزم المثقف، وتنهي الأدوار، وتخيف السياسي، وتحشد للثورة، لكن سرعان ما تبددت تلك الأوهام. لم تعد موقع تواصل بقدر تشكّلها كمواقع اتصال. فللتواصل أسسه وأساليبه، إذ يشترط فيه المسؤولية، ووجود الذات مقابل الآخر بنفس مستوى الندّية، ليكون الحوار منفعلاً بصيغٍ متنوّعة، وبشكلٍ عمومي، يظهر فيه الإنسان محاورًا، والأطراف متساوية في فضاء النقاش العمومي. لكن الصيغ المطروحة بتلك التطبيقات تقوم على إحياء جميع الانهيارات في القيم الاجتماعية، إذ تتلاشى الحوارات، ويلغى فيه وجود الآخر. لم يتربّ الأفراد بشكلٍ مؤسس ليعترفوا بأن الإنسان المجاور لك هو شريك في إنتاج الحوار، وصقل الحقيقة، وتغذية المعنى.
شكّل وجود الغير بالنسبة للفرد موضوعًا في دراسات الفعل الإنساني، فالجمع أساسي في فعل الفرد، وأرسطو يعتبر «الذي يظهر للجميع هو ما نسميه الوجود». بينما هيراقليطس يعتبر «العالم واحدًا ومشتركًا بين أولئك الذين هم مستيقظون، بينما كل امرئ نائم يلتفت إلى عالم خاص به». أخذت حالة وجود الغير بالنسبة للشخص ضرورتها عند هيغل في «فينومولوجيا الروح» إذ وجود الغير: «ضروري فأنا ليست معرفة جاهزة فمعرفته لذاته لا تتحقق إلا من خلال الغير عبر الانفتاح، وتجاوز العزلة والانغلاق، فالأنا تغادر انغلاقها، وتتجاوز لتنفتح على الغير لتنتزع منه الاعتراف بها كذات واعية حرة. إلا أنها تصطدم برغبة الغير، الذي يرغب في نفس الرغبة مما يؤدي إلى أن يغامر كل منهما بحياته في عملية صراع تنتهي بتنازل أحد الطرفين عن حريته».
تلك الجدليّة بين الشخص والغير، بين الفرد والفرد، هي التي تتسبب في الظهور الجدلي للإنسان ضمن المدينة، وكل تجمّع يخلق مجتمعًا أو مدينة، والأنا لوحدها لا يمكنها أن تخلق الظهور، فالقيم نفسها ليست منتجًا أنانيًا، أو فرديًا، بل هي حصيلة الجدليّة بين مجموع الأفراد، والجدال والصراع بين الذوات على أرض الواقع ينتج القيم المعاشة والمتداولة. حنّة أرندت في كتابها الممتع: «الوضع البشري» تعتبر: «القيم خلافًا للأشياء أو الأفعال والأفكار، ليست ألبتّة منتوجات نشاطٍ بشري مخصوص، بل إنها تظهر إلى الوجود عندما تدخل هذه المنتوجات في النسبية غير المستقرّة للمبادلات بين أفراد المجتمع، ولا أحد مثلما أكد ماركس وهو على حقّ ينتج قيمًا وهو في عزلة، ولقد كان بإمكانه أن يضيف أنه في العزلة لا أحد يكترث بها، إن الأشياء والأفكار والمثل العليا تصبح قيمًا فقط في علاقاتها الاجتماعية». ص:186.
ذلك الوجود الضروري للغير ينعدم في الواقع الاجتماعي العربي الحقيقي والافتراضي معًا، إذ الأفراد في صراعٍ دائم مع بعضهم البعض، تزداد حالة التنافي تلك في مواقع الاتصال الاجتماعي التي أصرّ على نفي كونها مواقع تواصل بل هي أبعد ما تكون عن التواصل. إن الجدلية بين مجموع الأفراد بالمجتمع تخلق نقاشًا حيًّا وتفاهمًا وجوديًا كبيرًا، ولا يمكن للإنسان اختبار نفسه وعلمه وقيمه إلا من خلال الآخرين، لأنه ينوجد معهم، ويكون ظهوره أشدّ وضوحًا بحضورهم، تلك هي طبيعة وجود الإنسان نفسه.
لا يمكن للمدينة أن تتكوّن بشكلها المضيء إلا عبر التفعيل لموضوعات التواصل والنقاش العمومي بوصفها منتجة للمعاني العلمية والقيم الاجتماعية، يأخذ التواصل قيمته بوصفه انفعالا مدنيا مع الرأي، يتجاوز الإنسان القديم في تفاعله مع الآخر عبر الصراع والقتل حين كان في الغابة، وهنا يكون وجود الغير بالنسبة للإنسان جزءا من حياة المدينة، نتذكّر صلة ذلك حتى بتشكّل القوانين الذي يعرّفه مونتسكيو بـ: «الروابط بين الكائنات المختلفة» كما يهتمّ بالأهواء البشريّة التي تحرّك الفعل، وبالمبدأ المحرّض على إنجاز بدءٍ ما.
لم يكوّن هذا الالتئام بين ملايين المسلمين والعرب ضمن وسائل الاتصال الحديثة أي قيمة خلقية تذكر، ولم تعبّر عن تاريخهم المليء بالمناظرات الراقية، أو الحوارات الجادة، أو الصيغ المعرفية المضيئة، بقدر ما نبشت كل المنسي على المستويات العرقية والطائفية، وأخذت النزعات السياسية تتحكّم بالأساليب والمعارك، بينما تأخذ الصراعات بين التيارات الوليدة الخداج حيّزًا كبيرًا من مساحات تلك المواقع ومضامينها. كشفت الوسائل عن هشاشة في القيم، ونكران لوجود الإنسان المجاور، وإضراب بوجه الرأي المستحق للحوار، ومنازلة بدائية همجية ضد المحتوى الجديد المنجز لدى أمة أخرى قريبة منا، لقد فقدت الوسائل طابعها المدني، وإمكانها الإنساني، وسائل الاتصال أصبحت أدوات تفاصل وتنابز وتناحر.
يدلّ ما مضى على أن المجتمعات العربية غارقة بالأنا، لهذا تجد في كلّ عربي مشروع شاعر، أو ملهم، أو شيخ، بينما لا يستطيع أن يكون مشروع مناقش أو محاور أو مسوّقًا للمعرفة والفلسفة، أو السؤال والأثر الإنساني، هناك تنازع على الزعامة بين العرب، لهذا يتعذّر خلق مجال عام يمكّن الناس من التناول الحرّ الندّي للأفكار والرؤى.
كل ذلك مردّه إلى الجهل، أدوات عصرية تحملها اليدان، لكن الأقدام غارقة ملتصقة بوحل الانحطاط القديم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة