ما تكسره .. تملكه

ما تكسره .. تملكه

الأربعاء - 1 شوال 1437 هـ - 06 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13735]

لا يعتبر التصويت البريطاني بأغلبية ضئيلة لمغادرة الاتحاد الأوروبي هو نهاية العالم – ولكنه يظهر لنا كيف يمكننا أن نصل إلى نهاية العالم.
القوة الأوروبية الكبرى، والمدافع القديم عن الديمقراطية الليبرالية وعن التعددية وعن الأسواق الحرة، تقع تحت سيطرة حفنة من السياسيين الساخرين الذين يستغلون مخاوف الجماهير من الهجرة كفرصة سانحة للتقدم في حياتهم المهنية. ولقد خلقوا حالة صارخة من الخيارات الثنائية حول قضية معقدة بشكل لا يصدق، والتي يدرك القليل للغاية من الناس مضمونها أو نطاقها الكامل – البقاء في أو مغادرة الاتحاد الأوروبي.
يفترض هؤلاء السياسيون أن الكلب لن يلحق أبدا بالسيارة، ولسوف يغنمون أفضل ما لدى الجميع – معارضة قضية لا تتمتع بشعبية، ولكن من دون الاضطرار للتعامل مع الآثار المترتبة على جمهور الناخبين الذين يصوتون فعليا لمغادرة الاتحاد. ولكنهم يغرقون المناظرات بالأكاذيب والأباطيل، والترهيب الشديد، والتضليل، ومع الأغلبية البسيطة فقط المطلوبة للفوز في الاستفتاء، خرج الاستفتاء على مغادرة الاتحاد الأوروبي بهامش الفوز الضئيل. وسرعان ما أمسك الكلب بالسيارة. وبطبيعة الحال، فهو لا فكرة لديه عما يجب عليه فعله بتلك السيارة. لم تكن هناك خطة، بل مجرد نباح.
وكما قلت قبلا، ليست تلك بنهاية العالم بعد، ولكن إذا ما حاولت بضعة دول أوروبية أخرى تجربة هذه الخدعة السمجة فسوف نشهد قليلا من الفوضى الأوروبية. انتبهوا يا ناخبي دونالد ترامب: ذلك هو ما يحدث للدولة التي تعتمد على السماسرة الذين يعتقدون أن الحياة يمكن أن تكون نسخة مصغرة من تويتر — وأن هناك إجابات شديدة السهولة على الأسئلة شديدة الصعوبة — وأن الرجال التافهين يمكنهم إعادة ترتيب النظام المعقدة عن طريق تشييد جدار ما وكل شيء يكون على ما يرام.
ولكنني غير موافق.
وعلى الرغم من أن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي ليس الإجابة الصحيحة بالنسب لبريطانيا، فإن حقيقة أن هذه الحجة هي الظاهرة، على الرغم من الأكاذيب، تخبرك بأن الناس يشعرون بقلق عميق حول أمر ما. إنها قصة وقتنا الحاضر: وتيرة التغيير السريع في التكنولوجيا، والعولمة، والمناخ والتي بدأت في مجاوزة قدرة أنظمتنا السياسية على بناء بيئات العمل الاجتماعية، والتعليمية، والمجتمعية، والابتكارات السياسية والمطلوب بشدة من بعض المواطنين المحافظة عليها ومواكبتها.
لقد عولمنا التجارة والصناعة، وأدخلنا الروبوتات وأنظمة الذكاء الصناعي، وبأسرع كثيرا من الوتيرة التي صممنا بها شبكات الأمان الاجتماعي في بلداننا، وتحرك حماة التجارة سريعا مع خيارات التقدم التعليمي التي تتيح للناس أصحاب المرحلة الانتقالية الآنية الوقت والمساحة والأدوات الكافية للازدهار. ولقد خلّف كل ذلك الكثير من الناس في حالة من الدوار والهذيان.
وفي الوقت نفسه، فتحنا حدودنا متعمدين – أو خبرنا تدفقات الهجرات غير الشرعية من أنظمة الدول الفاشلة وعلى مستويات لم يسبق لها مثيل – ولقد ترك هذا الأمر بعض الناس يشعرون بأحاسيس الانفصال الثقافي عن الواقع، وبأنهم يفقدون قيمة «الوطن» بمعناه العميق المؤثر. والحقيقة المادية للهجرة، ولا سيما في أوروبا، قد جاوزت ليس فقط قدرات الدول المضيفة على استيعاب الناس، ولكنها جاوزت قدرة المهاجرين أنفسهم على الاندماج والتعايش – وكلا الأمرين من الأهمية والخطورة بمكان للاستقرار والسلام الاجتماعي.
وتلك التغيرات السريعة تأخذ موضعها في الوقت الذي لك تكن فيه سياساتنا أكثر صلادة وتعقيدا وعجزا على الاستجابة ولو بمجرد الحس الإنساني السليم – مثل الحكومة التي تقترض الأموال بأسعار الفائدة الصفرية للاستثمار في البينة التحتية التي تشتد الحاجة إليها والتي تؤدي إلى خلق فرص العمل، وتمكين المجتمعات من استغلال التكنولوجيات وأفضل ما تقدمه للبشرية.
يقول نادر موسوي زاده، والذي يشارك في إدارة مؤسسة ماركو الاستشارية وشركاه ومقرها في لندن «فشلت السلطة السياسية في الغرب في اختبار الشرعية الذاتية والمسائلة منذ عام 2008 – وفي يأسها الواضح تخيرت تلك السلطة المزيد من التآكل عن طريق التخلي المتعمد عن مسؤوليتها عبر استخدام الاستفتاء على الاتحاد الأوروبي».
وأضاف «ولكننا في حاجة لأن ندرك أن القضية الكبرى في الوقت الراهن ليست هي الهجرة بقدر ما هي الاندماج. والتجربة المعاشة في أغلب المدن الأوروبية حاليا هي حقيقة أن التعددية والمجتمع متعدد الأعراق قد نشأ هنا، وفي واقع الأمر قد نشأ نشأة جدا سلمية، ولقد جلب فوائد جمة من المكاسب والازدهار. إننا في حاجة لتغيير بؤرة تركيز المشكلة – والحل كذلك – من الحقيقة الواقعية للهجرة إلى التحديات السياسية والاقتصادية للاندماج. إن المدارس والمستشفيات والمؤسسات العامة لن ترقى إلى مستوى التحدي الخاص بالقرن الحادي والعشرين إذا ما فشل الاندماج الاجتماعي».
وفي واقع الأمر، ومن وجهة نظري، فإن الدول التي تعتني بالتعددية سوف تكون أفضل الدول ازدهارا في القرن الحادي والعشرين. وسوف تحظى تلك الدول بأفضل استقرار سياسي ممكن، وتجذب أفضل المواهب، وتكون قادرة على التعاون مع أغلب الناس حول العالم. ولكنه عمل مضن وشاق.
ولكن، في العصر الذي تجمعنا فيه التكنولوجيا بصورة أكثر إحكاما وتوفر تدفقات هائلة من الإبداع والمعرفة والتواصل والتجارة، فإن المستقبل في أيدي أولئك الذين يبنون الشبكات وليس الجدران، والذين يمكنهم الاندماج وليس الانفصال، والذين يمكنهم الاستفادة القصوى من هذه التدفقات. إن مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي هي معادلة كل أطرافها خاسرين. وآمل في أن حملة «العودة البريطانية» يمكنها أن تعكس التأثير السلبي لحملة الخروج البريطاني، وأن تتمكن الولايات المتحدة من التخلص من وباء ترامب.
ولا ننسى، أنه بعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، ظهر المشروع الأوروبي كقوة السلام والرخاء والديمقراطية والحرية في العالم، كما قال اريك باينهوكر، المدير التنفيذي لمعهد الفكر الاقتصادي الجديد في أكسفورد. مضيفا «أنه أحد أعظم إنجازات البشرية. وبدلا من السماح بانهياره وتدميره علينا استغلال صدمة التصويت للخروج البريطاني في التصويت من أجل إعادة الاندماج، والإصلاح، وإعادة بناء أوروبا الجديدة».


*خدمة: «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة