العناية بالمريض إلى آخر لحظة

العناية بالمريض إلى آخر لحظة

الجمعة - 26 شهر رمضان 1437 هـ - 01 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13730]
د. حسن محمد صندقجي
طبيب وباحث سعودي في المجال الصحي

ثمة ما يُعرف طبيًا بـ«المعالجات الطبية في نهاية الحياة» End - Of - Life Medical Treatments، وهو من المصطلحات الطبية المهمة التي تتحدث عن نوعية ومكونات المعالجات الطبية التي تقدمها المستشفيات، والتي يُقدمها الأطباء وطاقم التمريض للمرضى الذين يواجهون مراحل متقدمة من الأمراض المستعصية، لإزالتها أو تخفيف آثارها المهددة لسلامة حياة المرضى.
وتذكر المؤسسة القومية للصحة بالولايات المتحدة في نشراتها الطبية حول مواضيع العناية الطبية بنهاية الحياة أن «التخطيط للعناية الطبية التي يريد المرء أن يتلقاها في نهاية حياته هو أمر صعب، ولكن يُمكن القيام بذلك بشكل أفضل حينما يكون المرء بصحة جيدة وقادرًا على التفكير بما يُناسب رغباته، وهو ما يُساعد المقربين منه كالأقارب في اتخاذ القرارات الصحيحة.
وتخطيط الرعاية الطبية في نهاية الحياة يشمل عددًا من الأمور، منها أهداف الرعاية التي يتلقاها مثل أنواع الأدوية التي تُعطى له في نهاية حياته، ومنها أين يريد قضاء الأيام الأخيرة من عمره؟ وما المعالجات الطبية التي يتمنى تلقيها؟ وما العناية الطبية المُلطفة Palliative Care أو رعاية المسنين الطبية Hospice Care التي يود تلقيها. وهي ما يجمعها «التوجيهات المسبقة» Advance Directives التي يقررها الإنسان في حالة الصحة، والتي تجعل من الواضح لأفراد الأسرة وللأطباء ما هي رغبات المرء في تلك الظروف ونوعية ومكونات الرعاية التي يود أن تُقدم له.
وضمن عدد 27 يونيو (حزيران) الماضي من «المجلة الدولية لجودة الرعاية الصحية» International Journal for Quality in Health Care، نشر الباحثون الأستراليون من جامعة نيو ساوث ويلز نتائج دراستهم الطبية التحليلية الواسعة في مراجعة نتائج 38 دراسة طبية سابقة تم إجراؤها في 10 بلدان في العالم خلال العشرين سنة الماضية. وشملت المراجعات أكثر من مليون و200 ألف إفادة من أطباء ومرضى وأقارب مرضى، وذلك حول الرعاية الطبية في نهاية حياة المرضى.
وذكر الباحثون في نتائج دراستهم أن الناس من الطبيعي أن يموتوا حال التقدم في العمر، وغالبًا ما يتلقى هؤلاء المسنون معالجات طبية لا داعي لها طبيًا في مراحل نهاية العمر. وقالوا إن أفراد أسرة المريض عادة ما يضغطون على الأطباء كي يقوموا بإجراء «تدخلات بطولية» Heroic Interventions، وفق نص عبارة الباحثين. ووجد الباحثون الأستراليون في مراجعاتهم التحليلية لكل الدراسات الطبية السابقة حول هذا الشأن، أن «نحو ثُلث المرضى المُصابين بأمراض مستعصية على العلاج ومتقدمة تسببها تغيرات عضوية مرضية وتلف عضوي لا عودة عنه، تُقدم لهم خلال الأسبوعين الأخيرين من حياتهم معالجات طبية لا تفيدهم صحيًا مثل الإدخال إلى أقسام العناية المُركزّة وتلقي المعالجات الكيميائية».
كما أضاف الباحثون بالقول: «رُبع كبار السن الذين يتم تقرير أنه يجدر عدم إجراء عملية الإنعاش القلبي - الرئوي، Do - Not - Resuscitate لهم تُقدم لهم تلك المعالجة. والمرضى الذين لديهم أمراض شديدة ومستعصية يُعرّضون لتدخلات علاجية ولإجراء فحوصات دم وأشعة ومراقبة شديدة لحالة القلب وغيرها من مكونات العناية الطبية الدقيقة، وكلها لا تفيد ولا تُحسن من مخرجات ونتائج معالجة حالاتهم المرضية المتقدمة. والأهم، أنها مخالفة لما سبق وأبدوا رغبتهم فيه كمرضى حول كيفية العناية بهم».
وعلقت الدكتورة ماغنوليا كاردونا - موريل، الباحثة الرئيسة في الدراسة، بالقول: «ليس من غير المعتاد أن يضغط أفراد أسرة المريض ويرفضوا أن يتقبلوا حقيقة أن المريض الذين يُحبونه هو بالفعل في مراحل الموت الطبيعي، الذي تُرافقه مضاعفات صحية كثيرة، ولذا يضغطون على الأطباء كي يقوموا بأعمال بطولية»، في سبيل إنقاذ حياة المريض. ولذا يُناضل الأطباء في تقديم الرعاية بأقصى ما يمكن مع عدم التيقن من مدة مسار عملية الموت Dying Trajectory والالتزام المهني بأخلاقيات ضرورة تقديم أفضل ما تعلموا وما تدربوا عليه للقيام بواجباتهم الطبية وإنقاذ الأرواح، في مقابل احترام حق المريض في الموت براحة وكرامة. وأضافت: «نتائج دراستنا تشير إلى استمرار الغموض والخلاف الطبي والاجتماعي حول ضرورة المعالجة وجدواها وفعل كل ما هو ممكن».
والواقع أن أحد تفسيرات استمرار هذه الحالة هو عدم توفر التقدم الطبي الذي يُعطي توقعات مستقبلية دقيقة عن مدى احتمالات تحسن حالة المريض أو عدم جدوى تقديم الرعاية الطبية المتقدمة للمرضى. وحتى أقارب المريض بحاجة إلى متابعة مع الأطباء، وإلى فهم خطوات المعالجة وإدراك ما الذي أصاب المريض، وكيف تسبب بتفاقم حالته الصحية، وهو ما يتطلب تواصلاً يوميًا بين الطاقم الطبي وأفراد أسرة المريض.
وصحيح أن مثل هذه الدراسات الطبية تشير إلى أن ثُلث المرضى أو ربعهم يتلقون معالجات طبية ثبت لاحقًا عدم جدواها في إنقاذ حياة المرضى، ولكن ذلك لم يكن معلومًا لدى الأطباء خلال تقديمهم تلك الرعايات الطبية المتقدمة، والأهم أن ثمة نسبة أعلى من المرضى الذين استفادوا من تلك المعالجات. والأطباء بالأصل عليهم بذل كل ما في وسعهم لمعالجة مرضاهم وإنقاذ حياتهم دون أي تهاون والاستفادة القصوى من كل الإمكانيات المتاحة، وعليهم أيضًا إشراك أقارب المريض في توضيح خطوات العلاج التي يُقدمونها لمريضهم.


* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة