لمن أراد التقاعد.. فرصة ذهبية للاهتمام بالصحة

لمن أراد التقاعد.. فرصة ذهبية للاهتمام بالصحة

الجمعة - 21 رجب 1437 هـ - 29 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13667]
د. حسن محمد صندقجي
طبيب وباحث سعودي في المجال الصحي

لدى الباحثين الأستراليين رأي آخر في شأن التقاعد عن العمل الوظيفي وتأثيرات ذلك على اهتمام المرء بصحته وعمله على رفع مستوى المحافظة عليها. وبخلاف ما يعقد البعض، يبدو أن المفارقة هي الواقع بين ما يتوقعه المرء من نفسه، لو بدأ مرحلة التقاعد، وبين عمله على الاهتمام الأفضل بصحته قبل تقاعده. ومفاد رأيهم بأن مستوى النشاط البدني للأشخاص الذين يتقاعدون يرتفع، إذ يجلسون فترة أقصر، وينعمون بنوم أعمق وأكثر راحة، مقارنة بما كان عليه حالهم قبل التقاعد، ومقارنة بالذين لا يزالون على رأس العمل الوظيفي.
وعلقت الدكتورة ميلودي دينغ، الباحثة في كلية سيدني للصحة العامة، بالقول: «دراستنا تعطي لونًا إيجابيًا للتقاعد، والمتقاعدون المشمولون في دراستنا كانوا يسعون لحياة صحية أفضل، والعوامل التي أسهمت في ذلك لديهم تشمل توفر الوقت الكافي لممارسة النشاط البدني، والبعد عن كسل الجلوس الطويل في الوظائف المكتبية المريحة، وتقليل التعرض لتوترات ضغوط العمل. وعلى الرغم من أن التقدم في العمر يعني مزيدًا من المشكلات العضوية، فإن المتقاعدين سلكوا طريق ممارسة أنشطة حياتية أفضل صحيًا».
ووفق ما تم نشره ضمن عدد 8 مارس (آذار) للمجلة الأميركية للطب الوقائي American Journal of Preventive Medicine، فقد تابع الباحثون لمدة ثلاث سنوات نحو 25 ألف أسترالي، ممن متوسط أعمارهم فوق 54 سنة. وخلال تلك الفترة تم فحص السلوكيات الحياتية لمن تقاعد منهم، وهم نحو 13 في المائة. وذكر الباحثون أن متوسط العمر للتقاعد في أستراليا هو 63 سنة. وبالمقارنة مع ما كانوا عليه قبل التقاعد، أفادت نتائج هذا الفحص بأن ثمة زيادة في مدة النشاط البدني الأسبوعي بمقدار ساعة ونصف الساعة، ونقصت مدة الجلوس اليومي بخمول بمقدار نصف ساعة، وزادت مدة النوم اليومي بمقدار ربع ساعة فقط. والمهم كذلك، أن نصف المتقاعدات المدخنات توقفن بالفعل عن التدخين. ولكن لم يلحظ الباحثون تغيرًا مهمًا في الإقبال على تناول الخضار والفواكه الطازجة كأحد السلوكيات الصحية في جانب التغذية.
وأضافت الدكتورة دينغ قائلة: «أعتقد أن من الضروري البدء بإيجابية لتخطيط المرء نوعية وسلوكيات نمط عيش الحياة اليومية لفترة ما بعد التقاعد. وكثير من المتقاعدين يُمسون قلقين حول تقاعدهم، لأنهم يخشون فقد معنى الأهمية والجدوى»، وهو ما قالت إن هذا يُمكن التغلب عليه بممارسة كثير من الهوايات والقيام بالأعمال التطوعية في المجتمع، وقضاء المزيد من الوقت مع منْ يعزهم المرء من أفراد الأسرة والأقارب والأصدقاء وممارسة الأنشطة الصحية معهم كالمشي مثلاً.
وتختلف نتائج الدراسات الطبية حول الحالة الصحية ما بعد التقاعد، ولكنها تتوافق في الإفادة بأن ثمة نتائج إيجابية جدًا لاتخاذ المرء قرارات حياتية واضحة للتوجه نحو الاهتمام بصحته وترتيب أوقاته لممارسة أنشطة حياتية يومية ترفع من مستوى اهتمامه بصحته وتحوله نحو بدء القيام بالأعمال ذات المردود النفسي والبدني والمالي، غير التي كانت تسير عليها حياته خلال فترة الالتزام بالعمل الوظيفي.
ويتطلب الاهتمام بالصحة في فترة ما بعد التقاعد نوعًا من توفر الظروف الملائمة، وأهمها الوقت والرغبة، وهما ما تقل فرصهما بوجود التزامات القيام بالأعمال الوظيفية اليومية والهرولة اليومية للوفاء بالتزامات العمل الوظيفي اليومي. وعلى سبيل المثال، فإن تخفيف التعرض النفسي لتوترات الحياة اليومية، ترتفع أهميته الصحية في تلك الفترة بخلاف الفترات الأصغر سنًا من العمر. وكذا تأثيرات عدم اتباع نظام غذائي صحي مريح للجسم الذي قد يتحمله جسم الشخص الأصغر سنًا بخلاف فترات تالية من العمر. وأيضًا المردود النفسي للشعور بالأهمية الذاتية والجدوى يرتفع بفعل أمور اجتماعية تطوعية بسيطة في الفترات التالية من العمر، كزيارة الأصدقاء والأقرباء والتواصل مع الأطفال والأحفاد وزملاء الدراسة وزيارة المرضى والقيام على خدمة المحتاجين وغيره.
والواقع أن توجه المرء نحو النظر بإيجابية لأي متغيرات تطرأ على الإنسان مع تقدمه في العمر وتدني القدرات البدنية والذهنية والنفسية للتحمل، يُؤدي إلى التفكير السليم في كيفية التعامل الذاتي معها ورفع مستواها وإعادة الحيوية والنشاط إليها. ووجود إصابة المرء ببعض الأمراض المزمنة، كارتفاع ضغط الدم وأمراض الشرايين والمفاصل وغيرها، تتطلب اهتمامًا أكبر في الحرص على تناول الأدوية ومراجعة الطبيب وإجراء الفحوصات وممارسة الرياضة البدنية كالمشي اليومي وتقليل التعرض للتوتر النفسي. وتدني القدرات البدنية على التحمل تتطلب تنشيط الجسم بأداء التمارين التي تقوي العضلات وتعطي المرونة في حركتها وتنشيط المفاصل، وهي أمور تتطلب نوعًا من الاهتمام بالممارسة مع توفر الفرصة والوقت لذلك.
ولذا فإن الكثير يمكن فعله للاهتمام بالنفس والجسم وإحياء العلاقات الأسرية ومع الأصدقاء، والكثير يمكن فعله لممارسة الأنشطة الحياتية التي لم تتوفر للمرء فرص ممارستها كالقراءة والسفر والرحلات وتعلم المهارات الجديدة وممارسة الهويات القديمة. والأمر برمته قرار يتخذه المرء، إما البدء في الاهتمام بصحة بدنه وعقله ونفسه، وإما إهمال ذلك كله والدخول في عالم من الخمول والكسل البدني.
* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]wsat.com


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة