«الأصول الثقافية السعودية» ذاكرة حيّة للهوية الوطنية واستثمار للمستقبل

وزارة الثقافة وهيئة التأمين تُطلقان منتج التأمين الثقافي

معالم أثرية وشواهد تاريخية على عراقة المكان في مختلف المناطق السعودية (وزارة الثقافة)
معالم أثرية وشواهد تاريخية على عراقة المكان في مختلف المناطق السعودية (وزارة الثقافة)
TT

«الأصول الثقافية السعودية» ذاكرة حيّة للهوية الوطنية واستثمار للمستقبل

معالم أثرية وشواهد تاريخية على عراقة المكان في مختلف المناطق السعودية (وزارة الثقافة)
معالم أثرية وشواهد تاريخية على عراقة المكان في مختلف المناطق السعودية (وزارة الثقافة)

لفتت التحولات التي شهدها القطاع الثقافي السعودي الأنظار إلى ما تملكه البلاد من كنوز ثقافية وتراثية لا تقدر بثمن، تحمل في تنوعها تاريخاً وقصصاً لحضارات احتضنتها هذه الأرض، وسلطت الضوء على التنوع الطبيعي البديع الذي كان له أثر ملحوظ في أن تكون السعودية وجهة سياحية وثقافية فريدة. بهذه الكلمات عبّر وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، بعد مضيّ 8 أعوام على إطلاق «رؤية السعودية 2030» التي أحدثت تحولات فريدة على المستويات كافة، ومن بينها القطاع الثقافي.

وقد لامس التطوير كل أبعاد الثقافة السعودية المادية والمعنوية، ومن بينها الأصول الثقافية الفنية والتراثية، التي حظيت بعناية خاصة لضمان استمرارها في حالة ممتازة، وبقائها كشواهد راسخة على العمق الحضاري للبلاد، كان آخرها إطلاق السعودية مشروعاً جديداً يُمكّن ملّاك الأعمال الفنية والمباني التاريخية من التأمين عليها.

وأطلقت وزارة الثقافة وهيئة التأمين منتج «التأمين الثقافي» الذي سيُساعد مُلّاك الأعمال الفنية والأصول الثقافية في المملكة على تأمين أصولهم ومقتنياتهم وحمايتها وضمان استدامتها، كما يُوفّر المتطلبات المساعدة للمحافظة عليها، إلى جانب تأمين تغطية مالية في حالة وقوع حادثٍ يؤدي إلى خسارةِ أو تلفِ هذه الأصول الثقافية، بما يتناسب مع مقدار التلف والقيمة العادلة للأصل.

على صخور الجبال أبدع الإنسان بنقش التاريخ وتوثيقه (وزارة الثقافة)

«رؤية 2030» نقطة التحول

ونجح القطاع الثقافي في السعودية، ضمن الجهود النوعية التي انطلقت في إطار الاستراتيجية الوطنية للثقافة، في تسجيل ارتفاع معدل المواقع التاريخية والتراثية المطورة، وتلك المسجلة على اللائحة العالمية. وأثمرت تلك الجهود في توثيق التراث العمراني السعودي بـ850 مبنى، وتصنيف أكثر من 500 موقع، كذلك تسجيل وتصنيف ما يزيد على 30 موقعاً تراثياً، وترميز أكثر من 250 أصلاً تراثياً.

وقال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، بمناسبة مرور 8 سنوات على إطلاق «رؤية السعودية 2030»، إن الرؤية حقّقت خلال الأعوام الماضية عدة مستهدفات قبل أوانها، وبسرعة فاقت التوقعات، مؤكداً اهتمامها بالحفاظ على الممكنات الثقافية في البلاد.

وأضاف وزير الثقافة أن ما تشهده السعودية من تحول تاريخي غير مسبوق ونمو ملحوظ جاء بمباركة وتوجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبمتابعة ودعم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ما يعكس حرص القيادة على بناء مستقبل مزدهر ومبشر، من خلال تحقيق النمو الاقتصادي، وتحسين جودة الحياة، وتوفير حياة كريمة للمواطنين والمقيمين.

نجحت الجهود في توثيق التراث العمراني السعودي بـ850 مبنى وتصنيف أكثر من 500 موقع وما يزيد على 30 موقعاً تراثياً وترميز أكثر من 250 أصلاً تراثياً (وزارة الثقافة)

ونوّه بتسجيل الأنشطة غير النفطية أعلى مستوى تاريخي لها، بمساهمة بلغت 50 في المائة من الناتج الإجمالي الحقيقي لعام 2023. لافتاً إلى ما تملكه البلاد من كنوز ثقافية وتراثية لا تقدر بثمن، تحمل في تنوعها تاريخاً وقصصاً لحضارات احتضنتها هذه الأرض، كذلك التنوع الطبيعي البديع الذي كان له أثر ملحوظ في أن تصبح السعودية وجهة سياحية وثقافية فريدة.

وأشار الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان إلى ارتفاع عدد المواقع التاريخية والثقافية المطورة لضيوف الرحمن إلى 12 موقعاً، متجاوزة المستهدف بـ7 مواقع، وتطوير 5 مواقع خلال 2023 لإثراء تجربتهم، بزيادة قدرها 100 في المائة مقارنة بعام 2022، فضلاً عن ارتفاع عدد المواقع السعودية المسجلة على قائمة «اليونيسكو» للتراث العالمي إلى 7، بتسجيل محمية «عروق بني معارض»، التي تعد أول محمية تراث طبيعي سعودية.

التأمين الثقافي يساعد مُلّاك الأعمال الفنية والأصول الثقافية في المملكة على تأمين أصولهم ومقتنياتهم (وزارة الثقافة)

التأمين الثقافي... ديمومة الأثر الحضاري

ويأتي منتج التأمين الثقافي، ضمن مشروع متكامل، شمل دراسة المخاطر المتعلقة بالأصول التراثية والتاريخية، وعملت عليه وزارة الثقافة بالشراكة مع هيئة التأمين، بهدف رصد وتقييم المخاطر المتعلقة بالأصول التراثية المتنوعة، ووضع الآليات والأدوات المناسبة لإدارة هذه المخاطر، وتطوير منتجات تأمينية تُساعد على توفير البيئة المناسبة لحماية وازدهار نشاط الأصول التراثية، بالإضافة إلى دعم الأنشطة الثقافية محلياً ودولياً بالحلول التأمينية المناسبة.

وينقسم التأمين الثقافي الذي أطلقته وزارة الثقافة السعودية إلى منتجين رئيسيين؛ أولهما مخصصٌ للمباني التراثية المصنَّفة على أنها أثرية، أو تراثية، أو تاريخية، ويوفر تغطية تأمينية تتناسب مع الاعتبارات الخاصة لهذه المباني من حيث التقييم، والترميم، ونطاق الأخطار المشمولة على هذا النوع من الأصول.

أما المنتج الثاني فيغطي الأعمال الفنية التي تُمثل مختلف أنواع الأصول والأنشطة الثقافية من أعمالٍ فنية، ومعارضَ، وتحفٍ، ومقتنياتٍ ثمينة وغيرها، ليوفّر تغطيةً تأمينية تتناسب مع القيمة العالية لهذه الأصول، ومع متطلبات التعامل معها، كالتخزين، والعرض، والشحن، وغير ذلك.

لامس التطوير كل أبعاد الثقافة السعودية المادية والمعنوية ومن بينها الأصول الثقافية الفنية والتراثية (وزارة الثقافة)

وتستهدف وزارة الثقافة من خلال مبادرتها في حماية الأصول الثقافية بجميع أشكالها، تقديم الدعم للأنشطة الثقافية، والحماية ضد الخسائر في الأصول عاليةِ القيمة من خلال تأمين المباني التراثية، وتأمين الأعمال الفنية، وتأمين أضرار الطرف الثالث، وتأمين انقطاع الأعمال، لتوفر بذلك الاستقرار المالي للاقتصاد الثقافي، وتحميه من التبعات المالية للخسائر، وتستجيب لاحتياجات المعارض، خاصةً تلك التي تستوجب التأمين على الأصول المُعارة، بالإضافة إلى دعم الالتزام بالإجراءات والممارسات المُثلى، وخلق بيئة آمنة للاستثمار في القطاع الثقافي، كما يأتي التأمين الثقافي ضمن جهود هيئة التأمين في استحداث منتجات تأمينية تواكب مستجدات المرحلة، وتوفر الأدوات الداعمة المتوائمة مع النمو الاقتصادي في المملكة تحت مظلة «رؤية المملكة 2030».

وبالتزامن مع «اليوم العالمي للتراث»، الذي احتفل به العالم في 18 أبريل (نيسان)، شهدت مواقع تاريخية ووجهات تراثية في مختلف مدن ومناطق السعودية أنشطة وفعاليات، فتحت معها نوافذ معرفية وتجارب إثرائية لاستكشاف تاريخ التراث الثقافي في المملكة، وإضفاء الطابع الإنساني على التراث بطرق مبتكرة، وتم إضاءة عدد من المواقع التراثية في المدن السعودية التي بقيت شاهدة على رحلة الإنسان وأثره عبر الزمن، فيما وجدت أجيال ناشئة خلال الفعاليات التي أطلقتها «هيئة التراث السعودية» احتفالاً باليوم الذي اختاره العالم موعداً سنوياً للتوعية بأهمية التراث الوطني والمحافظة عليه وصوْنه، فرصة للتعرف على كثير من التقاليد والمنتجات التقليدية والحرف والصناعات اليدوية التي كانت مصادر الرزق ووسائل الازدهار في الزمن القديم.


مقالات ذات صلة

اتصالات سعودية إقليمية لبحث التهدئة وتطورات المنطقة

الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيره الإيراني عباس عراقجي (الشرق الأوسط)

اتصالات سعودية إقليمية لبحث التهدئة وتطورات المنطقة

تلقّى الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، اتصالين هاتفيين من نظيريه بإيران وأفغانستان، في إطار التشاور المستمر حول تطورات الأوضاع.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي (تصوير تركي العقيلي)

خاص السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

وصلت الدفعة الأولى من الحجاج الإيرانيين إلى الأراضي السعودية لأداء مناسك الحج، وسط منظومة متكاملة من الخدمات والتسهيلات التي تقدمها المملكة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الاقتصاد رسم تخيلي للمتحف السعودي للفن المعاصر في الدرعية (الشرق الأوسط)

ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر بقيمة 490 مليون دولار

أُعلن عن ترسية عقد إنشاء المتحف السعودي للفن المعاصر في منطقة الدرعية بقيمة 490 مليون دولار (1.84 مليار ريال).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مقر «بنك البلاد» في العاصمة السعودية الرياض (الموقع الإلكتروني للبنك)

«بنك البلاد» السعودي يقر تغييرات في مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية

استقال ناصر السبيعي من رئاسة مجلس إدارة «بنك البلاد» على أن تسري الاستقالة من 1 يونيو (حزيران) المقبل، وعُين بشار القنيبط رئيساً تنفيذياً للبنك من التاريخ ذاته.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مركز الملك عبد الله المالي في الرياض (واس)

خاص البنوك السعودية تحقق أرباحاً فصلية غير مسبوقة بـ6.4 مليار دولار مدعومة بـ«رؤية 2030»

حقَّق القطاع المصرفي السعودي أرباحاً قياسية بلغت 6.4 مليار دولار بالرُّبع الأول من 2026 بنمو 7.6%، مدعوماً بزخم «رؤية 2030» جديدة تماماً.

محمد المطيري (الرياض )

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.