النصر على مرمى البصر!

النصر على مرمى البصر!

الأربعاء - 19 رجب 1437 هـ - 27 أبريل 2016 مـ رقم العدد [13665]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة

حق لكلا المرشحين الانتخابيين في الانتخابات التمهيدية للحزبين الديمقراطي والجمهوري، أن يعلنا أن النصر المعرف بترشيح كليهما لمنصب رئيس الولايات المتحدة، أصبح الآن على مرمى البصر. الآن يستطيعان إطلاق زفرات من الراحة والتقاط الأنفاس بعد أسابيع من التوتر والانزعاج. ورغم أن كليهما كان يعرف أن نتائج الانتخابات في الولايات الصغيرة والأقل حجما حتى في «ويسكونسون» لن تكون لصالح أي منهما، ولذلك فإنهما لم ينفقا لا مالا ولا وقتا كثيرا في هذه الولايات، فإن مرور أسابيع دون نصر، وتناول ذلك إعلاميا على أنه انتصارات مبشرة بما هو قادم، يخلق قوة دفع كبيرة يخشى منها، خاصة لو أن الإعلام بدأ يأخذ المنافسين - ـ كروز بالنسبة لدونالد ترامب في الحزب الجمهوري وبرني سوندورز في الحزب الديمقراطي بالنسبة لكلينتون ـ بالجدية التي تجعلهما مرشحين لسكنى البيت الأبيض.
ولذلك كانت الانتخابات التمهيدية في ولاية نيويورك موقعة فاصلة ربما تحسم نتيجة الانتخابات. فالولاية ربما كانت أهم الولايات الأميركية على الإطلاق ليس فقط بكثافة سكانها، ولكن أيضا بما لها من قدر في عالم المال والتجارة، وبما لديها في عالم الفن والأدب والإعلام والسياسة بالطبع. نيويورك المدينة، هي «التفاحة» التي ليس كمثلها شيء في العالم أجمع بما فيها من سوق المال، ومتحف ومسرح المتروبوليتان، وتمثال الحرية بالطبع. ولمن يعرف الولايات المتحدة فإن نيويورك تشهد بكونها عالما وحدها ربما الأكثر شهرة في الأفلام الأميركية، ولكنه طبعة أميركية من نوع خاص أقرب إلى سفينة نوح حيث تلتقي أجناس الأرض، ويوجد الأكثر غنى بأكثر من أي مكان آخر، وربما الأحد فقرا ليس فقط في أميركا، وإنما في العالم كله. بشكل ما كانت الانتخابات التمهيدية تلخيصا للانتخابات كلها، فالمتقدم الأول على الجانب الجمهوري هو دونالد ترامب، وهو «نيويوركر» بالعائلة والثروة الطائلة، و«برج ترامب» واحد من علامات المدينة التي لا تنام. والمتقدم الأول في الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون ورغم أنها بالمولد من ولاية إلينوي، وبالزواج من الرئيس السابق بيل كلينتون من ولاية كانساس، فإنها عندما أرادت الترشح لمجلس الشيوخ اختارت نيويورك لكي تكون موطنها وعنوانها. هي بامتياز ممثل رئيسي «للمؤسسة» الشرقية الأميركية بتاريخ طويل من السياسة عبر مناصب كبرى وعمل أهلي متصل والسيدة الأولى لثماني سنوات متصلة.
وهكذا، ربما، وقفت الولايات المتحدة كلها على رأس مبنى «الإمباير» تنظر إلى ما أفضت إليه الانتخابات التمهيدية في جولة رئيسية من جولاتها. وقيمة هذه الجولة أنها تقدم لمن يفوز بها من الناحية العملية عددا كبيرا من «المفوضين» يقربه من العدد السحري للحصول على تسمية الحزب للمنافسة على مقعد الرئيس. الآن فإن ترامب وكلينتون يفصل كل منهما عن الترشيح قرابة 400 مفوض، ولكن الفارق أن ذلك يشكل بالنسبة لترامب 25 في المائة من العدد الكلي 1237 المطلوب ونحو 20 في المائة لكلينتون من 2383 مفوضا في مؤتمر الحزب. الأمر المهم هنا أن نيويورك قوة دافعة كبيرة لعدد من الولايات الكبرى، بالسكان والمفوضين، على الساحل الشمالي الشرقي لأميركا حيث توجد بنسلفانيا وديلوير ونيوجيرسي وغيرها، وكل ذلك قبل الوصول إلى الغرب الأميركي حيث كاليفورنيا الولاية الأكبر والأغنى. الأرجح أن الأمر كله ربما يكون قد حسم قبل ذلك، على الأقل بالنسبة لهيلاري كلينتون التي يمكنها الوصول إلى خط النهاية بأسرع مما يصل ترامب، لأن حصوله على الرقم السحري للمؤتمر الانتخابي قد يكون أكثر صعوبة، وعليه في هذه الحالة أن يقنع بحصوله على «الأكثرية» ويفرضها على بقية الحزب. مثل ذلك لا يكون صعبا في الأوقات العادية، لأن الحزب يذهب إلى حيث توجد الأكثرية، ولكن في هذه الحالة، فإن العداء بين ترامب وبيروقراطية الحزب الجمهوري من الاستحكام إلى الدرجة التي قد تلقي شكوكا على فوز ترامب. ولكن المرجح هنا أن الحزب لن يستطيع المغامرة برفض ترامب ومنح الترشيح لكروز لأنه في هذه الحالة سوف يصبح من المؤكد فقدان الجمهوريين الانتخابات الرئاسية.
انتخابات نيويورك جعلت المواجهة بين ترامب وكلينتون مبكرة، والظن أن كليهما سوف يوظف الانتخابات التمهيدية المقبلة لكي يبدأ الانتخابات العامة فورا. كلاهما بدأ الحديث عن «وحدة الحزب» لأنهما يعلمان أنه من دون توحيد الصفوف وضمان القاعدة الأساسية في التصويت العام، فإن الخسارة تصبح مضمونة. مثل هذا التوحيد ليس سهلا، فداخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري توجد كتلة غير قليلة ترفض كلينتون وترامب لأسباب شخصية. فكلينتون ينظر لها على الأقل من جانب أنصار منافسها بيرني سوندورز، على أنها تمثل كل ما هو شرير في أميركا من أول «وول ستريت» أو شارع المال، والشركات الكبرى التي تحصل منها عضو مجلس الشيوخ على 250 ألف دولار في كل حديث أو محاضرة تلقيها على جماعة من أغنياء المدينة، وحتى تمثيل المؤسسة السياسية في الولايات المتحدة التي سمحت بقوانين وتشريعات تبيع أميركا كلها للأغنياء! دونالد ترامب اعتبره كافة المرشحين الجمهوريين الآخرين على أنه الرجل الذي سوف يأخذ الحزب الجمهوري إلى الحضيض، ويحرمه من رئاسة الدولة خلال السنوات الثماني المقبلة. ترامب ليس فقط من خارج الطبقة السياسية في الحزب، ولكنه أيضا صاحب أفكار مغامرة وحمقاء تفصل أميركا عن حلفائها في حلف الأطلنطي واليابان، وتضيع موقعها على السلم الأخلاقي العالمي بموقفه من المهاجرين من أصول لاتينية، ومن المسلمين. ترامب كان أول من جعل الانتخابات الأميركية ساحة للوقاحة، وتبادل الاتهامات، التي تناولت الزوجات والحياة والسمات الشخصية للمرشحين.
هي إذن المنافسة بين كلينتون وترامب، وفي أوقات كثيرة كان هناك الفخر في الولايات المتحدة بأن المنافسة الرئاسية دائما ما تعبر عن كتلة الوسط الكبيرة في البلاد بحيث تشبه «البندول» الذي يتحرك شمالا ويمينا، ولكنه لا يشطح أبدا إلى أقصى اليمين أو إلى أقصى اليسار. المرشحان في العادة كانا من «المؤسسة» التي تفرز أعضاء في مجلس النواب، وآخرين من مجلس الشيوخ، وحكاما للولايات، كبارا في السلطة التنفيذية، أيا منهم يستطيع قيادة الدولة. ولكن الأمر هذه المرة يختلف، صحيح أن كلينتون هي ممثل «المؤسسة» بامتياز، والأخطر أنها بنتيجة نيويورك قهرت واحدا من أكثر المتحدين للمؤسسة حتى ولو كان هو نفسه عضوا في مجلس الشيوخ عن ولاية فيرمونت الصغيرة؛ ولكن ترامب يبعد فراسخ وأميالا عن المؤسسة الأميركية الكبرى. ورغم أنه نفسه واحد من تلك المؤسسة على الأقل في جانبها المالي والاقتصادي، حيث تقدر ثروته بنحو 10 مليارات دولار، فإنه عبر عن أفكار تبدو كما لو كانت خلطة خاصة به من المبادئ المحافظة والليبرالية، ولكنها في كل الأحوال متطرفة وراديكالية. الشهور القادمة على أي حال سوف تفرز نقاشا ثريا ومثيرا سوف يحدد مستقبل أميركا ومن يعرف ربما العالم أيضا.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة