أحمد عبد المعطي حجازي
TT

هكذا أرى المستقبل

استمع إلى المقالة

نحن والعالم كله نسأل عن المستقبل. فالعالم يتغير ويتحول، لا كل عصر فقط، بل كل يوم، رأينا أو لم نر. لكن الذي نعيشه يشغلنا أكثر، لأنه الواقع الماثل الذي نفتح عليه عيوننا فنرى ما يحدث لنا ولغيرنا، بالقرب منا أو بعيداً عنا. ولا شك في أن الذي يدور حولنا يؤثر فينا بصورة أو بأخرى، ويتجه نحونا بالسؤال، فإن تجاهلناه ونحن نواجهه سهواً أو انسياقاً وراء ما يشغلنا من هموم اليوم ومطالبه، فوجئنا به يلاحقنا ويطاردنا، وتلك هي الحياة.

الحياة تفرض علينا أن نواجه واقعنا ونشغل به ونطلب فيه ما نحتاج إليه، ونلبي أيضاً في المقابل ما نرى أن تلبيته واجب أو شرط في مواصلة هذا الحوار الدائر بيننا وبين الواقع الذي لا يمكن أن يعطينا من دون مقابل. وذلك لسبب بسيط واضح، هو أنه من صنعنا. فنحن في الحقيقة نعطي أنفسنا حين نلبي حاجات الواقع أو نحرم أنفسنا حين نقصر أو نتوقف عن مواصلة الحوار بكفاءة. نؤدي ما يجب أداؤه ونفحص النتائج ونراجع أنفسنا لنميز بين الصواب والخطأ، وبين النافع والضار، وبين الوهم والحقيقة، فليس كل ما نقوم به أو نراه حقاً.

***

لكننا في هذا الحوار نجد أنفسنا مضطرين للنظر خلفنا مرات، وأمامنا مرات أخرى. نعم نحن مضطرون أحياناً للتفكير في الماضي، وأحياناً لاستكشاف المستقبل. ونحن في استجابتنا لما يدعونا للنظر خلفنا وأمامنا لا نخرج من الحاضر، بل نحن بالعكس نؤكد وجودنا فيه، فليس الحاضر إلا لحظات طائرة سرعان ما تمر ليكون ما سبقها ماضياً وما يليها مستقبلاً، سواء أدركنا هذا أم لم ندركه. ونحن بالتالي لا نستطيع أن نطيل هذه اللحظات إلا بالمستقبل الذي لا يمكننا أن ندخله أو نحتل مكاناً فيه إلا بالخبرة التي نحصل عليها من مراجعة الماضي، فإذا هربنا من التفكير في الماضي عجزنا عن دخول المستقبل، بل عجزنا أيضاً عن البقاء في الحاضر الذي نظن أحياناً أننا أطلناه، وهو لم يطل، وإنما أصبح ماضياً نحتاج فيه للوعي الذي نسترد به مكاننا في الزمن الحي المتدفق. والمدخل الصحيح للحصول على هذا الوعي هو معرفة الماضي معرفة نؤكد بها وجودنا في الحاضر من ناحية، ونستكشف بها الطريق إلى المستقبل من ناحية أخرى. وهذا ما عبّر عنه الشاعر الألماني غوته وهو يتحدث عن حركة التاريخ التي لا يعرفها الإنسان بأن يقرأ عن عصر أو عن جيل فحسب، بل عليه أن يحس حركة التاريخ في كل يوم من أيامه.

ونحن نعلم علم اليقين أن التاريخ ليس واحداً بالنسبة لكل البشر، وإنما لكل أمة زمنها، لأن لكل أمة سعيها وقدرتها على التخطي والانتقال من حال إلى حال.

صحيح أن التاريخ قد يجمع عدة أمم في حضارة واحدة أو في ثقافة مشتركة، وهذا ما نعرفه حق المعرفة في تاريخنا، ونستطيع بهذه النظرة أن نتحدث عن الحضارة الإنسانية التي أسهم في بنائها كل البشر، لكننا نعرف مع هذا أن هذه الإسهامات المتعددة إسهامات متنوعة، وبهذا التعدد والتنوع يتكامل الكيان ويتقدم، لكن الحوار الجاد المسؤول مع الواقع بكل مكوناته هو الأساس، فبهذا الحوار الذي يجب أن نستحضر فيه كل طاقاتنا وخبراتنا الماضية وأشواقنا التي تسبقنا إلى المستقبل وتقودنا إليه، بهذا الحوار مع الواقع، نغيره ونتغير معه وننتقل إلى واقع جديد وزمن جديد يتقدم إلى الأمام على الدوام، ويظل مع هذا وفياً للماضي الذي تعلمنا فيه أن نتقدم بفضل ما نملكه من طاقات، نتذكر بها ما فات ونستكشف بها ما سوف يجيء، وبينهما هذا الحاضر الذي نعيشه بكل كياننا ونعرف فيه الماضي الذي تحقق، فهو امتداد له، ونعرف المستقبل أو نتوقعه ونتخيله، لأننا نرى في الحاضر مقدماته ونستدل بما كان على ما سوف يكون، بل نحن بالحاضر لا نرى المستقبل وحده، وإنما نعيد أيضاً قراءتنا للماضي الذي نعرفه في الغالب من خلال شهادات وشواهد مختلفة لا تتفق في كل شيء، وتستحق إعادة النظر والانتفاع بما جد في رؤية ما لم نكن نراه وفي نقده وتجاوزه. وهكذا نتقدم، ونواصل في المستقبل ما صنعناه في الحاضر فنسير، ونحاسب أنفسنا، وننظر ونعيد النظر. وهذا هو الوضع الأمثل الذي يتمناه الإنسان لنفسه ويحتاج فيه لطاقات تعمل كلها وتشارك كلها في الحوار الذي ندخله مع الواقع الذي نعيش فيه، مع الحاضر والماضي، ومع أنفسنا، ومع الآخرين.

***

غير أن هذا الشرط لا يتحقق في كل المجتمعات، ولا يتحقق في أي مجتمع على الدوام، لأن الظروف الداخلية والأحداث الخارجية المحسوبة وغير المحسوبة تفعل فعلها سلباً وإيجاباً، ولأن العقائد والثقافات والمطالب والأهداف تختلف كثيراً أو قليلاً داخل المجتمع الواحد وداخل الثقافة الواحدة، لأن وجهات النظر قد لا تتفق، ولأن الاجتهادات تتعدد. ولكل طرف ما يراه ويدفع عنه بصور متعددة تحتاج فيها كل الأطراف لاحترام الروابط المشتركة التي يصبح بها الاجتهاد حقاً والاختلاف مبرراً. وهذا ما يتحقق بالثقافة القومية التي تضمن الحرية لكل الأطراف داخل الحدود التي تظل فيها كل الأطراف جماعة واحدة، تختلف لكنها تظل جماعة مترابطة متضامنة، فاختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية، كما يقول شوقي.

ونحن الآن في أشد الحاجة لهذا الودّ الذي تضمنه لنا الثقافة القومية، لأنه هو المستقبل الذي ينبغي أن نفكر فيه ونسعى لبلوغه، ولا سبيل لبلوغه إلا بالروابط الجامعة التي نصبح بها بنياناً حياً قوياً، يشد بعضه بعضاً. وفي مقدمة هذه الروابط لغتنا الفصحى وثقافتنا القومية التي تستطيع في المستقبل أن تحقق لنا ما حققته في الماضي إذا تهيأنا وتزودنا بالمعارف والوسائل التي نستطيع بها أن نقرأها قراءة جديدة، لا نقف فيها عند الظاهر المباشر ونسعى للكشف عما لم نره ولم نصل إليه من قبل، ونستعين في ذلك بحاجاتنا الجديدة وخبراتنا الحية. هكذا أرى المستقبل. وهكذا أُجيب على السؤال.