إكرام اليعقوب
كاتبة مختصة بالشؤون الاقتصادية
TT

من سيوقف العبث النووي؟

كان الأجدر بالولايات المتحدة التخلي عن فكرة القدرة المطلقة «الهجومية أو الرادعة» التي تغلف ملف التسليح النووي وطي صفحة هذا السلاح الفتاك نهائيًا قبل 7 عقود، وتحديدًا بعد ضربها اليابان بسلاحين نوويين أضاءت بهما سماء هيروشيما وناغازاكي بوميض من اليورانيوم المشع إبان الحرب العالمية الثانية، الذي تبعه عصر تسابق القوى العظمى لحيازة وامتلاك هذا النوع من السلاح المدمر.
الهاجس الأمني الذي بات يلاحق الإدارة الأميركية الحالية بفعل التسليح النووي ينقسم إلى عدة محاور؛ المحور الأول يتمثل في محاولتها خفض الأسلحة الاستراتيجية «ستارت» وخفض عدد الرؤوس النووية المنتشرة إلى ما بين 1700 و2200 وفقًا لمعاهدة قديمة بين أميركا وروسيا، وحصرها في قوى الردع بشكل رئيسي. الجانب الآخر هو عدم قدرة وزارة الدفاع الأميركية على دفع الفواتير الباهظة لتحديث ترسانتها النووية، التي ستزيد تكلفة الردع النووي إلى قرابة تريليون دولار خلال الأعوام الثلاثين المقبلة، في الوقت نفسه الذي تعطي فيه وزارة الدفاع الأولوية للتسليح التقليدي للحروب، وتعد أن تمويل الأسطول النووي هدر غير مبرر للمال العام، لأن كل دولار ينفق على الأسلحة النووية يكون على حساب دولار آخر يمكن استثماره في قدرات عسكرية أكثر نفعًا، بالإضافة إلى أن أميركا لا تنوي استخدام «النووي» مرة أخرى، فلماذا كل هذا الصرف غير المبرر؟
لكن على الرغم من ذلك، ومن كل أمنيات الرئيس باراك أوباما لوقف التسليح النووي ومطالبته المستمرة بهذا الشأن منذ توليه الرئاسة وعبر منبر براغ عام 2009 الذي شهد فيما بعد منحه جائزة نوبل للسلام إثر دعوته لعالم خالٍ من الأسلحة النووية ووعوده بإجراء تخفيض في المخزون النووي، فإنه لم يتمكن من وقف قوى الردع، أو بالأحرى لن توافق القوى العظمى، ومن بينها أميركا، على تجريد قواها من أهم نقطة ارتكاز تؤهلها لفرض آرائها ورغباتها على الأمم. وهو الأمر الذي جعل أوباما يقر موازنة شهر فبراير (شباط) الماضي بإضافة تمويل يزيد على 1.5 مليار دولار لبرنامج حيازة الأسلحة النووية الكبرى، وتعامله مع الملف على أنه نوع من الأمنيات المتعثرة، التي من المرجح ألا يُتوصل فيها إلى حل أو حسم نهائي خلال فترة حياته، على حد قوله.
المحور الثاني يصب في محاولة أميركا إقناع الدول العظمى بالحد من امتلاك وحيازة «النووي» عبر المعاهدات الدولية التي ستجعل المقارنات بين نهج وسلوك أميركا والدول العظمى بالغة الحساسية، بالإضافة لمحاولتها فرض نفوذها على دول أخرى تطمح لامتلاك هذا السلاح مثل إيران، وكوريا الشمالية التي أعلنت في السابع من فبراير الماضي أنها أجرت بنجاح اختبارًا رابعًا لمحاكاة إعادة إدخال صاروخ باليستي إلى الغلاف الجوي، ونيتها إجراء اختبار آخر لصاروخ باليستي يحمل رؤوسًا نووية، رغم كل العقوبات الصارمة التي فرضها مجلس الأمن الدولي، والتي شبهتها بحصار لينينغراد خلال الحرب العالمية الثانية.
من جهتها، استطاعت أميركا مع مجموعة «5+1» تطويق الطموح الإيراني عبر اتفاق فيينا التاريخي ومعاهدة تخفيف العقوبات المفروضة على إيران في حال التزامها بتنفيذ بنود الاتفاق النووي.
أما المحور الأهم في هذه المرحلة، على حد تعبير أوباما، فهو رفع الوعي العام للدول المنتجة لهذا السلاح حول مخاطر وصول هذا السلاح النووي لأيدي التنظيمات الإرهابية مثل «داعش»، وتعزيز مساعي أمن البنى التحتية النووية تحسبًا من إمكانية مهاجمة تلك المنظمات «المجنونة»، على حد تعبيره أيضًا، محطات ذرية، خصوصًا بعد معلومات تشير إلى إفشال «خطة اعتداء نووي»، تزامنًا مع هجمات بروكسل.
وأشار إلى أن تنظيم «القاعدة» سعى طويلاً للحصول على مواد نووية، وأن «أفرادًا متورطين في اعتداءات باريس وبروكسل صوروا بالفيديو وتتبعوا مسؤولاً رسميًا مهمًا يعمل في منشأة نووية بلجيكية»، وهو ما يسلط الضوء على أن المجانين لن يفوتوا فرصة ثمينة كهذه لامتلاك هذا النوع من الأسلحة، وهم الفئة الأكثر شغفًا بالسلطة.
المحاور الثلاثة، أو واحد منها، كفيل بصناعة عالم موحش ومظلم للأمن العالمي، لكن المستغرب اختيار أوباما التطرق لخطر الإرهابيين على المنشآت النووية بشكل مبالغ فيه خلال القمة الرابعة حول «الأمن النووي» التي عقدت أخيرًا، ليس لأن السيناريو الذي طرحه حول قدرة توجيه الإرهابيين قنبلة ذرية عن طريق طائرة من دون طيار (درون)، من ضروب الخيال، بل لأن معالجة هيكلة النووي القديمة لا تكون عبر التخويف أو خلق هالة جديدة تلف فراغ اللاحسم في قضية أخرى تؤكد عجز القوى العالمية عن السيطرة على قوى «داعش» المتفرقة. فمشكلة الحد من السلاح النووي مشكلة مرتبطة بالحكومات، خصوصا بها ومشكلة «داعش» هي بإخفاق تلك الحكومات في ردعها أو التخلص منها، لكن الصلة والربط بين «النووي» و«داعش» لا تزال بعيدة وغير واضحة، بل وقد تعطي أهمية أكبر من حجم تلك الفئة.
خلط المسائل في حل الصراع الدولي من المبررات غير المجدية وغير النافعة، ونحن نتأمل الوصول لحلول طويلة المدى في القرن الحادي والعشرين. فمبادرات حظر التسليح النووي يجب أن تبدأ وتعالج من رأس الحكومات الداعمة لها لتجنب الخطر الذي تمثله روسيا وكوريا الشمالية أو إسرائيل على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تجاهلت فيه الرقابة الدولية الخطر الذي تمثله تلك الدول بتطويرها الأسلحة النووية قبل سنوات كثيرة، تأتي عملية إقحام فئات مهمشة ودخيلة على خط الصراع المسلح لدرء هذا الخطر. علينا أن ندرك أن خطر التسليح النووي بكل تفاصيله الجدية والعميقة، يحتم علينا معالجته بجدية أكبر ووفقًا لخطط مدروسة تحد أولاً من انتشاره في نطاق الدول المنتجة والداعمة له، لا عن طريق التخوف من سيناريوهات سرقة «داعش» عبوات يورانيوم واستعمالها عشوائيًا. وعلينا أن ندرك أيضًا أن وقت اتخاذ قرار الضغط على زر إطلاق السلاح النووي لن يختلف كثيرًا، فيما لو كان المنفذ شخصًا مؤهلاً عقليًا من القوى العالمية، أو مجنونًا، على حد تعبير الرئيس أوباما، لأن النتيجة ستكون واحدة وكارثية بطبيعة الحال.