شعوبي بطل الأعظمية

شعوبي بطل الأعظمية

الجمعة - 8 جمادى الآخرة 1437 هـ - 18 مارس 2016 مـ رقم العدد [13625]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
إن المعتاد في سائر المجتمعات الزراعية والتقليدية أن يظهر في بلداتها الصغيرة من يسلي المجتمع بطرائفه ومقالبه. يجلس في المقهى أو على حافة النهر، يغني أحيانا وينكت أحيانا فيستأنس به السكان. كانوا يسمون مثل هذا الشخص في بريطانيا «معتوه القرية»، وكذا ظهر مثل ذلك في معظم القرى والأحياء الشعبية في العراق.
من هذه الشخصيات التقليدية المحبوبة التي نالت شعبية كبيرة في الأعظمية شخصية الفتى شعيب بن إبراهيم، شعوبي. كان شخصية متعددة الجوانب، النجارة واحدة من هواياته. تحدى فيها زملاءه على صنع بلم. ورغم توقعهم بأنه لن يبتعد به غير بضعة أمتار فإنه عبر النهر وعاد سالمًا.
صادف ذلك خروج اليهود ومعهم عازفو المقام. كانت آلة الجوزة من أهم الآلات الموسيقية في أجواق المقام العراقي، ولم يحسن صنع الجوزة في تلك الأيام غير اليهود. وبعد رحيلهم، تحير القوم في ما يمكن أن يفعلوه بغيابهم، بيد أن هذا العبقري الشعبي شعوبي ضرب على صدره وقال: «دونكم أنا أدبرها». وصدق في ما قال. جاء بجوزة هند، أكل لبابها وشرب حليبها وانكب عليها بآلاته، ولم تمر غير أيام قليلة حتى صنع آلة جوزة بعمل حرفي معظماوي أصيل. جره نجاحه هذا إلى تعلم العزف عليها حتى أصبح من أشهر العازفين، وسد بذلك النقص الذي تركه اليهود.
هكذا انقلب من بلاّم إلى موسيقار. ولكنه سبق أيضًا وتحول إلى شاعر وممثل. كان شعوبي ممن يسمونه المصريون «بتاع كله». اعتدنا على مشاهدته على مسرح المدرسة يغني ويمثل مشاهده الكوميدية. عارض عندئذ الفيلم الذي غنت فيه أم كلثوم: «غني لي شوي شويّ، غني لي وخد عينيّ». فصعد شعوبي في إحدى حفلاتنا المدرسية وأعاد سبك الأغنية بما أثار ضحكنا واستحساننا: «مشيني دبي دبي، مشيني وخذ عيني».
بيد أن طلبة ثانوية الأعظمية ضجوا بقصيدته الشعبية الشهيرة «عمي يا أستاذ الجبر»، التي شاعت في تلك الأيام. كنا نعاني بصورة خاصة من درس الإنجليزي؛ ساورنا الاعتقاد بأنها لغة أعداء الوطن، الإنجليز، فكرهناها وأهملناها، والظاهر أن هذا الشعور تملك بصورة خاصة صاحبنا شعيب بن إبراهيم. ظل يرسب في هذا الدرس سنة بعد سنة، وترك الدراسة كليًا. ما إن انتهى شعوبي من هجائه للدرس غناء حتى شاعت القصيدة بين سائر الأوساط الطلابية في العراق. وما زال كثيرون منا، وأنا في مقدمتهم، نتذكر كثيرًا منها:

عمي يا أستاذ الجبر
درسك يتعب الفكر
سين وصاد تحت الجذر
والناتج يطلع لك صفر
الناقص في الناقص زائد
اسمع مني ولا تعاند
لا تنقص ولا تزايد
اسكت أحسن لك واصبر
عمي يا أستاذ الجبر
بالإنجليزي كود باي
ما خليت براسي راي
ووتر يسمون الماي
وبرج يسمون الجسر
عمي يا أستاذ الجبر
كانت ملهاة ظريفة من شعوبي المتشعب الأدوار، استمتعنا بها وخففت عنا عناء الدرس وقلق الامتحانات، وهو ما حداني إلى استذكارها والطلبة يمرون بمثل ظروفها الآن في هذه الأيام الصعبة. شدوا حيلكم وتجبروا بأشعار شعيب بن إبراهيم وأفعاله وأقواله وكل ما آنسنا به في تلك الأيام من أيام العراق الحلوة، أيام الخير.

التعليقات

سيف السعدون
18/03/2016 - 08:30

كالعادة، يتحفنا الاستاذ المحبوب خالد القشطيني، بقصص ومآثر جميلة من الماضي.
والبصرة كان نصيبها، من هذا النوع من الفتوة، في الخمسينات من القرن العشرين، شاب اسمر اسمه، للشهرة ،تومان. وكان تومان طويلا ممشوق القوام، قليل الاعتناء بمظهره الخارجي، وكان يعمل لدى سينما الحمراء التي كنت ملك بيت الملاك، في مجال الاعلان عن افلامها المعروضة و القادمة. كان يتقدم لوحة كبيرة عليها ملصقات الافلام،
ويحملها اثنان؛ يسيرون بها في سوق الهنود . تومان تارة يرقص ويقوم بحركات راقصة ويؤدي اصواتا تستفز خصيصا البنات المارات، بحيث يهربن من امامه، وهذه بحد ذاتها تستجلب الضحك والاستحسان من الجمهور الذي يتجمع خلفه ابتداء من اول الشارع. تومان كان يعزف آلة الناي، لكن ليس كالعازفين الآخرين؛ فهو كان ينفخ في الناي من احد مناخيره بشكل جميل ومطرب؛ وهكذا تكون الحفلة اليومية.

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
18/03/2016 - 11:26

أستاذ خالد القشطيني
لقد أعجبتني قصة كفاح الفتى شعيب بن إبراهيم شعيبي التي قصصتها علينا في مقالك هذا، فهو فتى بدأ يكون نفسه من الصفر ولم يتأبى أن يقوم بأي عمل مهما كان بسيطا فالحاجة كما يقولون أم الاختراع ومن هواية النجارة صنع قاربا أمكنه أن يعبر به النهر ويعود سالما وفكر في صنع الجوزة التي كانت حكرا على اليهود ولكنه بتفكيره وذكائه استطاع أن يصنع الجوزة واستغنى بذلك عن اليهود ومن خلال إحساسه بصعوبة المواد الدراسية التي يدرسها استطاع أن ينسج أبياتا من الشعر يعبر فيها بأسلوب جميل ورائع عن صعوبة هذه المواد وهذا هو أصدق تعبير لأنه نابع من القلب ليصل إلى القلب، ويا ليت شباب اليوم وفتيانه يقتدون بشعيب الشعوبي هذا فليس هناك شيء اسمه صعب أو مستحيل فكل شيء يهون بالتجربة وبالصبر واختراق كل المجالات بشجاعة وعزم وتصميم إلى أن يتحقق النجاح بإذن الله.

نسيم قزاز
البلد: 
اسرائيل
18/03/2016 - 20:35

ومن تلك القصيدة :
الفيزياء والقانون
والصحة فيها طاعون
والطفل ما عنده سنون
واشكم جهاز بالصدر

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة