د. حسن محمد صندقجي
طبيب سعودي واستشاري قلب للكبار بمركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
TT

هل نفهم القليل الصحيح عن الأمراض؟

نحتاج أن نفهم بعض المعلومات الأساسية عن الأمراض، ونحتاج بشكل أشد ألا نحمل معلومات خاطئة عنها، هذه هي الغاية من جميع جهود التثقيف الصحي لعموم الناس في جانب الأمراض. ومعلوم أن المعرفة بقدر أساسي وبسيط عن الأمراض ومعالجتها هي أحد عناصر منظومة الثقافة الصحية العامة لأي شخص، التي تشمل بالإضافة إلى ذلك معرفة كيفية الوقاية من مجموعة الأمراض المُعدية المحتمل انتشارها في مجتمع ما، ومجموعة الأمراض المزمنة الأعلى شيوعًا، والتغذية الصحية، والإسعافات الأولية المنزلية، وغيرها من العناصر التي بمجملها يتمكن المرء من العناية بنفسه صحيًا والعناية بأفراد أسرته. ولكن مستويات المعرفة الصحيحة بالأمراض لا تزال دون المطلوب، والأهم أن ما هو معلوم لدى الكثيرين لا يُطابق الصحيح عن تلك الأمراض، وهذان الأمران يتطلبان من الأوساط الطبية بذل مزيد من الجهد المُجدي والمُؤثر في أنشطة التثقيف الصحي.
دعونا نأخذ أحد الأمراض الشائعة كمثال، ولنتعرّف على مدى معرفة عموم الناس به ومدى خلو تلك المعرفة من المعلومات الخاطئة، وتحديدًا لنراجع «حبّ الشباب» Acne. ووفق الإحصائيات العالمية الحديثة، يُعاني أكثر من 650 مليون شخص في العالم من هذا المرض، وتحديدًا 90 في المائة من الشباب والمراهقين في العالم الغربي، ونحو 40 في المائة ممنْ فوق عمر 25 سنة. وفي الولايات المتحدة يوجد 50 مليون إنسان مُصاب بحبّ الشباب، أي نحو 16 في المائة من السكان، وفي أستراليا تبلغ النسبة 23 في المائة.
وبالتالي، يُعتبر حبّ الشباب المرض الأعلى شيوعًا من بين جميع الأمراض الجلدية، ويظهر على مناطق حساسة وخاصة الوجه إضافة إلى مناطق أخرى من الجلد، ويُؤثر في جميع الحالات دون أي استثناء على مستوى الإحساس الذاتي بالجمال لدى الإناث وبالوسامة لدى الذكور.
ومن جميع هذه المعلومات الإحصائية حول مرض شائع جدًا، نتوقع أن المعرفة العامة والبسيطة والأساسية بين عموم الناس عن هذا المرض مطابقة للصواب وللصحيح في الغالب، ولكن هذا ليس هو ما لاحظته نتائج تقييم المعرفة البسيطة بالأمراض الشائعة التي تم عرضها في 4 مارس (آذار) الحالي ضمن فعاليات المؤتمر السنوي للأكاديمية الأميركية الذي عُقد في واشنطن العاصمة. وكان الباحثون من كلية الطب بجامعة هارفارد قد قدموا نتائج دراستهم حول مستوى ونوعية المعلومات لدى عموم الناس عن حبّ الشباب، وخلصوا إلى نتيجة عامة مفادها أن عموم الناس لا يزال لديهم الكثير من المعتقدات السلبية والخاطئة حول حبّ الشباب والأشخاص الذين يعانون منه.
وخلال الدراسة، عرض الباحثون صورًا لأشخاص مُصابين بحبّ الشباب وصورًا لمُصابين بأمراض جلدية أخرى وطُلب منهم إبداء آرائهم حول ما يرونه، وتبين للباحثين أن 62 في المائة من الناس أبدوا «انزعاجهم» و«استياءهم» من رؤية صور أشخاص مُصابين بحبّ الشباب، وأن 80 في المائة منهم أفادوا أنهم يشعرون بـ«الشفقة» تجاه الناس المُصابين به. ومما يُثير قلقًا طبيا أكبر حول نظرة الكثيرين إلى حبّ الشباب، لاحظ الباحثون في نتائجهم أربعة أمور مهمة، أولها أن أكثر من 70 في المائة أفادوا أنهم سيشعرون بـ«الخجل» من أنفسهم لو أن لديهم حبّ الشباب، وثانيها أن أكثر من 70 في المائة يرون أن الأشخاص المُصابين بحبّ الشباب «غير جذابين» للآخرين، وثالثها أن 41 في المائة قالوا إنه سيكون من «غير المريح» لهم أن يظهروا في الأماكن العامة برفقة شخص يُعاني من حبّ الشباب، ورابعها أن أكثر من 44 في المائة أفادوا أنهم «لا يرتاحون» للمس شخص مُصاب بحبّ الشباب.
ومن جانب آخر تبين للباحثين أن ثمة عددا من المعلومات الخاطئة الشائعة حول حب الشباب، ذلك أن 55 في المائة من المشمولين بالدراسة يعتقدون أن ظهور إصابة الشخص بحبّ الشاب هو نتيجة لضعف مستوى النظافة الشخصية لديه، وأن 50 في المائة منهم يعتقدون أن حبّ الشباب مرض ميكروبي مُعد، وأن نحو 40 في المائة منهم يعتقدون أن ظهور حبّ الشباب مرتبط بنوعية الأطعمة التي يتناولها الشخص.
وعلقت البروفيسورة إليكسا كيمول، الباحثة الرئيسية في الدراسة ومديرة وحدة الأبحاث الجلدية بكلية طب جامعة هارفارد، بالقول: «أنا مندهشة من هذه النتائج. ولأن الكثير من الناس سبقت إصابتهم بحبّ الشباب، كنت أعتقد أن ثمة تفهمًا أكبر من الناس للمُصابين به. ومن الواضح جدًا أن ثمة الكثير من المفاهيم والمعلومات الخاطئة، والناس يضعون افتراضات غير صحيحة حول حبّ الشباب بما يُؤثر بالتالي على رأيهم في المرضى الذين يُعانون من هذه الحالة». وأضافت: «حبّ الشباب هو حالة طبية، ولذا على المُصاب ألا يتردد في طلب المعونة الطبية لمعالجته، وهو حالة واضحة جدا على الشخص، ووجود حبّ الشباب في مرحلة البلوغ يمكن أن يكون له آثاره على نظرة الشخص إلى ذاته وثقته بنفسه، الأمر الذي قد يصنع صعوبات للمرضى في حالات العمل والتفاعلات الاجتماعية، والمفاهيم الخاطئة حوله لدى الغير يمكن أن تؤثر أيضا على كيفية تعامل المُصاب مع هذه المشكلة الصحية لديه».
وضربت على ذلك مثلاً بالقول: «إذا كنت تعتقد أن حب الشباب هو ذو صلة بالنظافة، فإنك قد تبدأ بتنظيف وجهك بشدة وقوة في محاولة منك لتطهير بشرتك، وهذا قد يجعل الحالة أسوأ. أو إذا كنت تعتقد أنه يرتبط بما تأكله، فقد تقرر قطع تناول بعض الأطعمة من غذائك اليومي، ولكن هناك القليل من الأدلة العلمية الداعمة لتبني أي من تلك الاستراتيجيات».

* استشاري باطنية وقلب
مركز الأمير سلطان للقلب في الرياض
[email protected]