محمد مصطفى أبو شامة
كاتب وصحافي مصري
TT

«ذلة» نسوان في «زلة» لسان

مقالي بين واقعتين ربطت بينهما «زلة لسان»، وبين واقعين المقارنة بينهما تقاس بمليون فدان، يعكس الفارق الحضاري الكبير بين المجتمعين اللذين شهدا القصتين اللتين سيطرتا على هوامش مؤثرة من الرأي العام المصري والأميركي في شهر فبراير (شباط) العجيب، أو كما يحب أن يطلق عليه المصريون.. «فقراير».
ففي المحروسة (مصر)، انتشر على «السوشيال ميديا» فيديو لشاب مجهول اسمه تيمور السبكي، والفيديو مقتَطَع من لقاء تلفزيوني قديم في برنامج «ممكن» الذي يقدمه الإعلامي المخضرم خيري رمضان على فضائية «CBC» المصرية، وأعتقد أنه كان جزءًا من سلسلة لقاءات أجراها البرنامج مع الشباب حول الزواج وخلافه، وكان من بين جمهور الحضور هذا الشاب بطل قصتنا الأولى. إذ انبرى السبكي في إطلاق آرائه «الخائبة»، وتجلى في تصريحاته «العنترية»، زاعمًا أن 45 في المائة من السيدات «خائنات»، وخص جانبا من المجتمع المصري و«نسوانه» وزايد بتحديده المتزوجات من هذا الجانب لمغتربين، وأضاف أنه يتلقى اتصالات من عدد منهن، وذلك عبر صفحته على «فيسبوك»، التي تحمل اسم «يوميات زوج مطحون».
وبعد شهرين على إذاعة البرنامج لترهات هذا «التيمور»، أعيد بثه وانتشر كالنار في الهشيم، وثارت مصر من جنوبها إلى شمالها لشرف نسائها، ودخلت أطراف كثيرة على خط الأزمة، فأوقفت فضائية «CBC» البرنامج ومذيعه لمدة 15 يومًا، وأصدرت غرفة صناعة الإعلام توصية بعدم ظهور السبكي على أي قناة فضائية، وأخيرًا، وقبل أيام، تم القبض على تيمور السبكي بعد أن أصدر النائب العام قراره بإحالته إلى المحاكمة، رغم أن المتهم قد بذل جهدًا كبيرًا لإنقاذ نفسه وحياته في الأيام الأخيرة، وقدم كل أشكال الاعتذار لـمن هاجمه واتهمه على ما اقترفه في حقهم وحق «نسوانهم».
أما في بلاد العم سام (أميركا)، فقد كانت بطلة القصة هي السيدة مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية السابقة وأول أميركية تتولى هذا المنصب، وجاءت «زلة لسانها» في مؤتمر انتخابي لصديقتها وحليفتها الحزبية، الرئاسية المحتملة هيلاري كلينتون، حيث قالت إن «النساء اللواتي لا يساعدن النساء الأخريات مصيرهن جهنم». وهو ما أثار ردود فعل غاضبة ومن بينها ما كتبه فرانك بروني٬ كاتب الافتتاحيات في صحيفة «نيويورك تايمز»، الذي قال إن «هناك ضغوطًا غريبة يمارسها فريق حملة كلينتون للقول إن علينا التصويت لها، لأنها امرأة».
واضطرت أولبرايت لأن ترد في مقال بالصحيفة ذاتها، عنونته بـ«اللحظة غير الدبلوماسية التي عشتها»، حاولت فيه أن تدافع عن نفسها، واصفةً العبارة بأنها من مأثوراتها التي ترددها في كل المحافل، منذ أن كانت مندوبة لبلادها لدى الأمم المتحدة.
وعلى ذكر المؤسسة الدولية العريقة، التي نعت قبل أيام قليلة أمينها العام الأسبق الدكتور بطرس غالي، الذي ودعته مصر في جنازة عسكرية مهيبة تليق به كواحد من أبرز سياسييها، فقد كان للدبلوماسي المصري الراحل قصة مؤلمة مع «الست» مادلين، حيث كانت السبب في حرمانه من الفوز بولاية ثانية في منصبه أمينًا عامًا للأمم المتحدة، ليكون الوحيد بين أقرانه ممن تولى المنصب ولم يُجدّد له.
وفي كتاب «في انتظار بدر البدور»، للدكتور غالي، يروي جانبًا من ذكرياته إثر خروجه من الأمم المتحدة، وتشفي الرئيس المصري السابق حسني مبارك فيه، قائلا: «كان مبارك يبدو في غاية الارتياح، ولمحتُ في نظرته بعض التشفي، وهو يقول: (لقد نصحتك بألا تتحدى الأميركيين، لو كنتَ أكثر لطفًا مع مادلين أولبرايت لأُعيدَ انتخابك)».
ولا شك أن مادلين امرأة قوية وقادرة، ومثلما أجهضت حلم «غالي» بعناد ودبلوماسية ماكرة، خرجت أيضًا من مأزقها و«زلة لسانها» بحديث دبلوماسي مراوغ، حمّل الإعلام مسؤولية تضخيم كلامها وتحميله بأكثر مما ينبغي، ومن المفارقات أنها غادرت بعد قصتها إلى جولة عربية لعدد من دول الشرق الأوسط، حيث زارت السعودية والأردن، وقبلهما كانت في مصر، في الوقت الذي كان فيه بطل القصة المصرية يحاول الهروب من قبضة الشرطة، التي أنقذت حياته بإيداعه السجن، بعد أن أصبح مهددًا بالقتل من عشرات الغاضبين من الذين اتهمهم.
ندرك عمق الاختلاف بين القصتين والمجتمعين، رغم أن المرأة هي محور الواقعتين، لكنها في مصر لا تزال تدور في فلك «الشرف»، بينما في أميركا فإن الأمر ارتقى لمرتبة «الحرية» والدفاع عن الديمقراطية والحقوق السياسية، هنا "حدوتة" في البيت، وهناك نضال في الشوارع والمؤتمرات، ولهذا فالنهاية كادت تقترب إلى الدم في بلادنا، بينما اعتمدت على الحوار الراقي في بلادهم، والمفاجأة الوحيدة هي أن الإعلام هو المتهم الأول في القصتين، لا فرق في ذلك بين شرق وغرب؛ في تحميل «الميديا» الجزء الأكبر من الخطأ.. فكلنا في الهم إعلام.