التقوقع في الجوانب المظلمة من الماضي

التقوقع في الجوانب المظلمة من الماضي

الجمعة - 12 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 22 يناير 2016 مـ رقم العدد [13569]
محمد واني
كاتب من كردستان العراق

نظل نؤكد على أن الإسلام بسيط في فكره وتشريعه وعقيدته وتعامله مع الانسان والمجتمع، لا يوجد دين أسهل ولا أوضح من الإسلام من بين الاديان الموجودة في العالم، كل شيء فيه يتمحور حول كلمة التوحيد وينطلق منها؛ (من قال لا اله الا الله دخل الجنة)، فهو ليس دينا ثيوقراطيا كهنوتيا غارقا في الفكر الفلسفي العقيم ولا دينا باطنيا يهتم بأمور القلوب والروحانيات والماورائيات فقط، ولا دينا "ماضويا" مجردا، يستقي مقوماته الأساسية من التاريخ والأحداث الغابرة، بل هو دين فكر وثقافة نابضة، يحفز العقل ويحثه على بناء المجتمعات وتطويرها وتنظيم شؤونها بما يضمن لها مواكبة العصر وعلومه المتقدمة.
هذا كله بشرط لو أننا نحن المسلمين التزمنا بتعاليم الإسلام كما ينبغي، وخرجنا من شرنقة الماضي التي دفنّا أنفسنا فيها بملء إرادتنا وبعيدا عن تعاليم الاسلام التي تحث على التأقلم مع الواقع المعاش، واندمجنا مع الحياة المعاصرة وأخذنا حظنا من علومها وفنونها، لضيقنا الهوة الكبيرة التي تفصلنا اليوم عن الأمم المتطورة التي أخذت بوسائل العلوم والمعرفة فتقدمت، واهتمت بحاضرها أكثر من اهتمامها بماضيها، فأبدعت وابتكرت ووصلت إلى قمة الرقي والحضارة، بينما ظللنا نحن نبحث بين طيات التاريخ ما يتعسنا ويشقينا ويؤخرنا عن الركب الحضاري والإنساني، منذ أن أسقطت تلك الدول من حساباتها التفكير السفسطائي العقيم والخيال المريض والأحلام الوردية واتجهت نحو الواقع بعقول تجريبية متفتحة، سادت العالم، وتحكمت فيه وملكته وسيطرت على عقولنا وبلداننا، وقادت مصائرنا إلى حيث تشاء وفقا لمشاريعها ومخططاتها الاستراتيجية المختلفة، وكنا دائما حقل تجارب لتلك المشاريع الاستراتيجية، سواء أردنا أم لم نرد، فان اقتضت مصالحها الاستراتيجية نشر"الفوضى الخلاقة" فانها تفعل ذلك ولا تتواني لحظة عن ادخال المنطقة في أتون حرب عرقية ومذهبية مستعرة لا تبقي ولا تذر كما في سوريا والعراق واليمن، وان اقتضت ان تقسم المنطقة فانها تقسمها ولا أحد يمنعها، وان أرادت ان ترفع سعر النفط وتجعله في الحضيض من أجل إخضاع بعض الدول، فانها تفعل ذلك ايضا.
فالأمة التي قال عنها ربنا بإنها (خير أمة اخرجت للناس) غائبة تماما عن المشهد العالمي، أصبحت أمة متنعمة مترهلة كسولة، فلا هي التزمت بقوانين الحداثة وواكبت العلوم المعاصرة. ولا هي التزمت بمفاهيم الإسلام الأخلاقية والإنسانية ودعواته المتكررة للأخذ بأسباب العلوم الحياتية والابتعاد عن استحضار الماضي والتعايش معه كأنه حقيقة شاخصة للعيان "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون" وقد يتكرر هذا التنبيه الشديد في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ولكن كالعادة نمر عليه مرور الكرام وكأن الأمر لا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد.
وبدلا عن ذلك، نظل نتشبث بأهداب الماضي "الجميل"، ونتفاعل معه ونستحضر حوادثه ووقائعه بكل دقة وأمانة غير آبهين بما يحدث من طفرات حضارية كبيرة حولنا، ولا مدركين للبون الشاسع الذي يفصلنا يوما بعد يوم عن الأمم الأخرى.. شبح الماضي بكل عقده وسلبياته بدأ يطاردنا ويدمر حياتنا ويحولها الى جحيم، لو نظل نجتر أحداثه الأليمة ونعيد فتراته المظلمة من حروب وصراعات وفتن دينية وسياسية، فاننا سنواجه كارثة محتملة - وقد لاحت بعض بوادرها - وفي حال حدوثها – لا سمح الله - فاننا لن نبقى لنعيش أمجاد الماضي المجيد ولا لنشهد الحاضر والمستقبل الزاهر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة