دكاكين الحشد «المقدس»!

دكاكين الحشد «المقدس»!

الأربعاء - 18 شهر ربيع الأول 1437 هـ - 30 ديسمبر 2015 مـ رقم العدد [13546]

(1)
يغادر عباس الجزائري كل شهر تقريبًا منزله ليلتحق بـ«جبهة» القتال ضد «داعش»، مرة في منطقة الكرمة قرب الفلوجة، وأخرى في بيجي، ومرات بالكاد يسمع المتصل به عبر الهاتف حشرجة صوته البعيدة ليخبره أنه صحبة رفاقه المرابطين على ناظم التقسيم في وادي الثرثار.


(2)
تجاوز سيد عباس الخمسين من العمر، والخمسون محطة مفضلة لأمراض ارتفاع ضغط الدم والسكري. يقال له: كيف يتحمل جسدك مكاره خنادق الحرب ولياليها الباردة والخطرة؟ فيجيب بخجل وتواضع شديد: إنه عمل يجدر بي فعله!


(3)
لم يرتبط سيد عباس بأي جهة سياسية أو جماعة هوايتها حمل السلاح قبل 2014، مع أنه ابن أحياء الهوامش، حيث يبدو الانخراط في إحدى الجماعات المسلحة المحلية فرض عين. ابتعد عن كل ذلك، وكان يرى في سياسات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي خطرا يتهدد العراق عموما والشيعة خصوصًا؛ حتى إنه كان أحد محتجي ساحة التحرير في 25 فبرا ير (شباط) 2011. وكان قبل ذلك معارضًا شرسًا لحكم الرئيس صدام حسين.


(4)
استجاب سيد عباس لفتوى «الجهاد الكفائي» بهدوء، وقاتل بشرف، إذ يرى أن من الواجب الدفاع عن البلاد حين تداهمها الكوارث، و«داعش» ذروتها. ويعتقد جازمًا أن من واجبه الدفاع عن أهله وأهالي المناطق المصابة بطاعون «داعش» وليس التنكيل بهم؛ حتى إنه يشفق على بعض المقاتلين المنخرطين للقتال مع «داعش»، ويتأسف لحرب وقودها عراقيون من الجانبين.
(5)
لم يحفّ شاربه أو يطيل لحيته، يتصرف بعفوية من يرغب بتأدية عمله دون تفضل أو منّة على أحد. لم يشهر سلاحًا أو بطاقة تعريف عسكرية بوجه سيطرة أمنية ليفسحوا له مجال المرور بعجرفة وغرور. وكل ما حصل عليه، هي إجازة تفرغ من وظيفته.


(6)
يلحّ على محدثه المتردد، لا يتنصل عن تحمّل مسؤولية ما يقول، ويطلب أن ينقل على لسانه الحادثة التالية: ذات مرة قام قيادي وعضو برلماني في «الحشد» بسلب مجموعة بدلات إيطالية من خزانة أحد المنازل. ومرة شاهدت بأم عيني كيف قام أحد الفصائل بتفكيك معدات معمل حكومي قرب الفلوجة ونهبه. وصل النهب في بعض الأحيان إلى سرقة أطباق البث التلفزيوني من أسطح المنازل!


(7)
يصب سيد عباس جام غضبه على بعض قيادات «الحشد»، ويرى أن أولئك البعض يضعون مصالحهم الخاصة فوق كل اعتبار. ويعتقد أن مفهوم الدفاع عن «الأرض والعرض» عناوين فارغة رفعوها للابتزاز والهيمنة والتسلط والإثراء. في ضميره هاجس دائم يدفعه للتمييز وعدم وضع الجميع في سلة واحدة. الحرب ضد «داعش» قضية عادلة وشروط كسبها تمييز المخلصين من الدجالين.


(8)
عدد غير قليل من الشباب تطوعوا لأسباب تتعلق بظروف المعيشة وضيق ذات اليد، وعدد غير قليل أيضًا، تطوعوا للدفاع بصدق عن الوطن أو الدين أو المذهب.


(9)
تصر مرجعية النجف التي أصدرت فتوى التطوع والدفاع عن الوطن، على تسمية «المتطوعين» فيما تصر بعض فصائل «الحشد» على إلصاق صفة «التقديس» بالمتطوعين.


(10)
يزهد مستثمر الحرب بصفة «المتطوع»، فوقعها متواضع، وتأثيرها بسيط. قاموسه الجهادي والعملي يستبعد هذا النوع من الكلمات المائعة الخفيفة. قاموسه لا يحتمل سوى الكلمات العظيمة، المخيفة، التي لها وقع الصاعقة على الرؤوس والنفوس.


(11)
لا مفردة أو تعبير يوازي قوة «المقدس» وسطوتها. يدرك مستثمر الحرب ذلك، فكل من سبقوه من الأوغاد، استخدموا المقدس للخداع والقمع في آن. «المتطوع» كلمة حياد وبساطة، قد يخطئ صاحبها وقد يصيب. قد يرتكب الحماقات، من مثل سرقات صغيرة، أو الكبائر، من مثل الخطأ في تشخيص الأهداف وقتل الأبرياء. أما «المقدس»، فلا يفعل أي شيء من هذا القبيل، يقتل بالحق، وينهب بالحق، يبيد الأعداء بالحق، يهدم ويسرق البيوت بالحق، فالصلة مباشرة بينه وبين السماء.


(12)
حين يتعلق الأمر بمطالبة الحكومة بتوفير الأموال والمواد المختلفة، فإن التسمية الأنسب لذلك، هي «الحشد الشعبي»، أما حين يتعلق الأمر بالالتزام بالتعليمات الحكومية ومعايير الضبط العسكري، فإن تسمية «فصائل المقاومة» أكثر تأثيرًا وسطوة.


(13)
يكتب كثيرون في مواقع التواصل الاجتماعي، بنفاق واضح، عن بطولات «جميع» فصائل «الحشد» ومن دون تمييز، وفي مجالسهم الخاصة يذكرون تفاصيل التفاصيل عن لصوصية بعضهم وانتهاكاتهم الصارخة للقانون، سواء في مناطق الحرب أو في بغداد وغيرها.


(14)
سئُل قيادي في أحد الفصائل المسلحة، لماذا لا يمكن حسم المعركة ضد «داعش» رغم الأعداد الكبيرة المعلنة لفصائل «الحشد» قياسًا بفلول «داعش» القليلة، فأجاب: يندر أن تجد فصيلا بأرقام متطوعين حقيقية، يسجل أحدهم 3 آلاف مقاتل، يأخذ لهم تخصيصات مالية من الدولة، فيما لا يتوفر موجودة الفعلي على 300 مقاتل في أحسن الأحوال! ويهمس، البعض افتتح «دكاكين» للتكسب، وأشك أن بعضهم يرغب بنهاية وشيكة لـ«داعش».


(15)
يقول مصدر حكومي، إن مجموع جرائم التسليب والسطو المسلح في جانب الرصافة، تزيد بمجموعها على الجرائم المرتكبة في عموم العراق، يريد الإشارة إلى أن كثيرًا من اللصوص وقطاع الطرق اتخذوا من صفة «الحشد» طريقة لانتهاك القانون والسرقة في جانب الرصافة المكتظ.
(16)
سئل شاب يعمل خبازا في فرن للصمون، ذو توجهات صدرية، لكنه التحق مع فصيل آخر، لماذا تركت العمل في الفرن والتحقت بالقتال؟ يبتسم ويجيب: «القتال حلو، بي (كاتل ومكتول)، وبي ضرب طلقات ورشاشات، والله العظيم أتونس من أروح للجبهة». فيسأل مرة أخرى، لماذا تفضّل الذهاب مع جماعة فلان بدلا من سرايا السلام؟ فيقول: «السيد شغله مضبوط بس ما مضمون، ساعة الساعة وزعل عليهم وطارت رواتبنا»!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو