عبد الرحمن الراشد
إعلاميّ ومثقّف سعوديّ، رئيس التحرير الأسبق لصحيفة «الشّرق الأوسط» ومجلة «المجلة» والمدير العام السابق لقناة العربيّة. خريج إعلام الجامعة الأميركية في واشنطن، ومن ضمن الكتاب الدائمين في الصحيفة.
TT

من أين الخطر في فرنسا؟ المهاجرون أم النظام؟

استمع إلى المقالة

ما حدث في فرنسا، برأيي، لا علاقة له بالظلم الاجتماعي، ولا بالعنصريين البيض، ولا بالمسلمين وحرق المصحف، ولا مجلة «شارلي إيبدو» الساخرة من القيادة الإيرانية، وليس مؤامرة من الرئيس الروسي بوتين ضد فرنسا انتقاماً لدعمها أوكرانيا، وليس الفاعل الرئيس بايدن والأميركيين. لم يكن المتظاهرون حصراً من مهاجري العرب أو مهاجري أفريقيا، ولا كل ما تطرحه نظريات التبرير والانتقام.

العلّة هي ضعف السلطة المركزية ونتيجة لذلك يزداد العصيان الجماعي. يتداعى الناس على ساحات السوشيال ميديا وينتقلون للساحات العامة، غالباً مشحونين بحملات تهويل وأكاذيب.

ضعف السلطة يغري من شاءت له نفسه أن يتجاوز القانون، مهما كان موضوعه، أو قضيته، أو لونه، أو رغبته؛ سواء في الانتقام أو النهب أو الفوضى. السلطات الفرنسية اعتقلت الشرطي ووُجهت الخميس الماضي، تهمة القتل العمد إلى الشرطي الذي قتل فتى في السابعة عشرة من عمره، وكان الشرارة التي أشعلت المظاهرات، واستمرت رغم اعتقاله.

يفترض أن ملجأ المعارضين والغاضبين القنوات التشريعية والعدلية، لكنها عندما تضعف أو لا تُفعّل، يبدأ النظام الاجتماعي السياسي بالتفكك وربما الانهيار. فرنسا لها نظامها وآلياتها، تتيح لمدعي المظلومية أن يترافعوا إليها. وخارج التحكيم، فوق ذلك، بمقدور الفرنسيين دعم مطالبهم عند الانتخابات. وللمهاجرين الشرعيين، مثل بقية الفرنسيين، التعبير بالإضراب عن العمل، والتظاهر السلمي. في حين أن الفوضى والعنف والاقتصاص باليد، «عدالة الشارع» عمل إجرامي، يرسخ لدائرة من العنف والعنف المضاد.

فرنسا تعاني اقتصادياً واجتماعياً، منذ سنوات، مع ازدياد الاحتجاجات واستمراريتها، وليسوا كلهم مهاجرين، أو مواطنين مسلمين، فقد سبق ودارت جولات من الفوضى قادتها جماعات البيئة، ومنتجو النبيذ، وأتباع نظرية المؤامرة ضد قوانين كوفيد، والعنصريون، والمعادون للمهاجرين، وأصحاب المهن، والغاضبون من أوضاعهم المعيشية. تحدوا السلطة الفرنسية المركزية مرات عديدة بالعنف، وظهرت ضعيفة سياسياً وعاجزة أمنياً، والأرجح سنشهد المزيد.

نظرياً، نظامها المدني واسع ومرن، قادر على أن يستوعب المحتجين على اختلاف مطالبهم ومشاربهم، وله مسارات موازية عدلية وسياسية، يفترض أن يستوعب المتغيرات الاجتماعية وتهدئة الأجواء المحتقنة. إنما، مع تراجع الاحترام لمؤسسات الدولة، لم تعد فكرة الاعتراض السلمي في الشارع تشبع بعض المحتجين. اليوم، تحركت السلطات لكن متأخرة، حذرت أن العنف ليس خياراً، ولا مبرر له مهما كانت الأعذار معيشية، آيديولوجية، دينية أو سياسية.

تبدو ضعيفة في كل مرة تتحداها فئة من المجتمع ليس لعدم استخدام قدراتها لبسط الأمن، بل، كذلك، نتيجة غياب المجالس التشريعية عن دعمها وتمكين مؤسسات القانون، وإنفاذه.

في بريطانيا، وقبيل تتويج الملك تشارلز، استبقت الحكومة نوايا المعارضين، ولجأت للبرلمان الذي أصدر تشريعات مستعجلة تحد من التظاهرات والعنف، وبعضها غير مسبوق يقضي بسجن من يمارس الجلوس لتعطيل حركة المرور في الشوارع. مرت المناسبة باحترام للتقاليد وعم البلاد هدوء تام.

وسبب الفشل الأمني، أيضاً الفشل الثقافي. فرنسا، ومعظم الدول الأوروبية التي تعاني من هجرات الأجانب إليها، لم تهتم وتؤسس مشروعاً ثقافياً يؤهل المهاجرين وأبناءهم، لينخرطوا في المجتمع ويصبحوا مواطنين يؤمنون بالقيم نفسها، ويحترموا قوانين البلاد التي منحتهم حق الإقامة والعمل. التأهيل الثقافي ضرورة لتحقيق التعايش بين فئات تزداد اختلافاً وتصادماً، وتورث العداوة إلى الأجيال التالية.

تلكؤ الحكومة في مواجهة العنف حول الاحتجاجات إلى شبه حالة حرب أهلية على الأرض. كانت ترجو أن يعبر الناس عن غضبهم ويعودوا إلى منازلهم، لكن لأن السلطات في المناسبات الماضية ضعفت مع فوضى القوى المحتجة، اتسعت هذه المرة، وأصبح قادتها أكثر جرأة في العنف والنهب الواسع.

في حين الولايات المتحدة، التي تهاونت عند وقوع أحداث 6 يناير (كانون الثاني) عام 2021، عزمت على ملاحقة ومحاكمة الذين هاجموا الكونغرس. وقد قضت بأحكام قاسية على الفاعلين. قُتل في الفتنة، كما تسميها الحكومة، شرطي وأربعة من المتظاهرين. وقد أدين المتظاهر الذي انتشرت صورته يجلس على كرسي رئيسة مجلس النواب، ويضع قدميه على مكتبها، بثماني جرائم.

فرنسا الماضي، كانت تتعامل مع مواجهات غالباً سلمية، بين فئتين متصارعتين، اليسار واليمين. فرنسا اليوم، وعاء مكتظ بجماهير مختلفة، وخلفيات متنوعة، تنذر تصادماتها كل مرة بالانفجار، في ظل ضعف السلطة المركزية.