طارق الشناوي
ناقد سينمائي، وكاتب صحافي، وأستاذ مادة النقد بكلية الإعلام في جامعة القاهرة. أصدر نحو 30 كتاباً في السينما والغناء، ورأس وشارك في لجان تحكيم العديد من المهرجانات السينمائية الدولية. حصل على العديد من التكريمات، وقدم أكثر من برنامج في الفضائيات.
TT

عادل إمام والاعتزال!!

في الأسابيع الأخيرة كثيرا ما تردد هذا السؤال، بل وأصبح هو «المانشيت» في كثير من المتابعات الصحافية والفضائية؛ متى يعتزل عادل إمام؟ لم يكن السؤال مطروحا من قبل لأن عادل إمام واحد من المبدعين الكبار، فكيف نقول له: «نكتفي بهذا القدر، ولن نلتقي مجددا بعد الفاصل». كان كاتب السيناريو الكبير وحيد حامد الذي جمعه وعادل كثير من الأعمال السينمائية الناجحة مثل «الإرهاب والكباب»، و«اللعب مع الكبار» و«طيور الظلام»، وغيرها، قد صرح بذلك في حوار صحافي، بعدها صار الأمر متداولا وبكثافة عبر «الميديا».
الاعتزال قرار شخصي، خاصة عندما نتعامل وفق قانون تستطيع من خلاله أن تحدد، وعلى وجه الدقة، بالأرقام معدلات الصعود والهبوط. مثلا جون ستيوارت مقدم البرامج الأميركي الشهير قرر الاعتزال في لحظة فارقة، وفي عز توهجه الفني وتحقيقه أعلى معدلات المشاهدة عالميا، ولكن هذه هي قناعته، ربما رأى أن الزمن المقبل ليس لصالحه، في لحظة الوداع، قال إن الانضباط الإعلامي شبه اليومي حرمه من الوجود الإنساني، فهو لا يعيش الحياة، ولا يقضي أمسيات مع أسرته، وداعب عائلته معترفا بالتقصير قائلا إنه «وصلت إليه معلومات مؤكدة أنهم أسرة ظريفة».
النجوم من البديهي، وفي العالم كله، أن يتعرضوا مع تقدمهم في العمر، لتراجع في الوهج الجماهيري وبالتالي في الأجور، وفي ترتيب كتابة أسمائهم على الشاشة، جاك نيكلسون مثلا وهو يكبر عادل إمام بنحو ثلاثة أعوام، لم يعد هو من يتصدر دائما الأفيش، ولا هو الأعلى أجرا حاليا بين نجوم هوليوود، إلا أنه من الناحية الأخرى، عادل على مدى 40 عاما لا يزال يسبق الجميع والأعلى أجرا.
لدي ملاحظات سلبية على ما يقدمه عادل عبر الشاشة الصغيرة، ولكن تبقى تلك مجرد آراء، بينما الحقيقة الرقمية تقول إن عادل ليس فقط الأول بين النجوم الآن، ولكن الفارق يزداد اتساعا بينه وبين التالي له، فهو تقريبا يحصل على ضعف ما يحصل عليه الآخرون في الدراما، ولا يزال هو الأول بين نجوم الشاشة الكبيرة، رغم ابتعاده خمس سنوات متتالية. هو بالمناسبة صاحب القرار، فلا يزال يعرض عليه كثير من المشروعات، ولكنه ربما وجد أن المردود الأدبي والمادي حاليا عبر شاشة التلفزيون أكبر، فقرر أن تصبح تلك الإطلالة الرمضانية السنوية هي علاقته الوحيدة بجمهوره.
الاعتزال هو أصعب قرار يتخذه مبدع، خاصة عندما يجد نفسه لا يزال متربعا على القمة، في عام 1966 مثلا بعد أن لحن رياض السنباطي قصيدة «الأطلال» لأم كلثوم من شعر إبراهيم ناجي، وجد أنه من المستحيل أن يصل لا هو ولا أم كلثوم لذروة غنائية أبعد، وطلب منها أن يعلنا معا للجمهور اعتزالهما، إلا أن قرار أم كلثوم كان هو مواصلة الغناء وحتى آخر نفس، وعندما عجزت عن الغناء في حفل جماهيري قبل رحليها عام 1975، بعامين فقط، حرصت على تسجيل أغنيتها «حكم علينا الهوى» في الاستوديو.
لا أحد يحق له أن يضع نقطة النهاية سوى الفنان نفسه، حتى النجوم الذين أدار لهم الزمن ظهره، لم يعلنوا الاعتزال، كان مثلا محمود المليجي يقول: «أفضل أن أظل جنديا في الميدان على أن يقال عني جنرال متقاعد»، عادل إمام بالمناسبة مهما اختلفت مع اختياراته الفنية في السنوات الأخيرة، لا يزال جنرالا وقائدا في دنيا الفن، فكيف نطلب منه أن يعتزل؟!