جوليان إي. بارنيز وهيلين كوبر
TT

الوثائق المسربة تكشف عمق التجسس الأميركي وصعوبات روسيا العسكرية

تكشف مجموعة من وثائق البنتاغون المسرَّبة عمق الاختراق الأميركي لمؤسسات أمنية واستخباراتية روسية، مما يكشف قدرة واشنطن على تحذير أوكرانيا بشأن الضربات المخطط لها، وإمدادها بتقييم لقوة آلة الحرب الروسية.
وترسم الوثائق صورة لمؤسسة عسكرية روسية مستنزفة تمضي بصعوبة في حربها داخل أوكرانيا، وجهاز عسكري تعرَّض لاختراق عميق. وتتضمَّن الوثائق تحذيرات يومية فورية لوكالات الاستخبارات الأميركية بشأن توقيت الضربات التي تشنَّها موسكو، بل كذلك أهدافها بدقة. وسمحت هذه المعلومات الاستخباراتية للولايات المتحدة بتمرير معلومات حيوية للجانب الأوكراني حول كيفية الدفاع عن نفسه.
وتسلط الوثائق الضوء على التقييم الأميركي للقوات العسكرية الأوكرانية، التي تبدو، هي الأخرى، في حالة مزرية. وتوضح الوثائق نقاط ضعف ونقص حيوية في ذخائر الدفاع الجوي، وتناقش مكاسب القوات الروسية حول مدينة باخموت، الواقعة شرق البلاد. يُذكر أن الوثائق تعود إلى الفترة بين أواخر فبراير (شباط)، ومطلع مارس (آذار)، لكنها ظهرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام الأخيرة. وتكشف التقارير الاستخباراتية كذلك أن الولايات المتحدة، على ما يبدو، تتجسس على كبار القادة العسكريين والسياسيين في أوكرانيا، مما يعكس جهود واشنطن للحصول على صورة واضحة عن استراتيجيات القتال الأوكرانية.
وتعزز هذه المواد فكرة طالما أقرّها مسؤولو الاستخبارات: أن لدى الولايات المتحدة تفهماً أوضح للعمليات العسكرية الروسية، عما لديها بشأن التخطيط الأوكراني. ومع أن عمليات الاستخبارات غالباً ما تكون صعبة، وأحياناً تكون خاطئة، فإن مجموعة الوثائق تلك تطرح، ربما، الصورة الأكمل، حتى الآن، عن الآليات الداخلية لأكبر حرب برية تشهدها أوروبا منذ عقود.
من ناحيتهم، قال مسؤولون أميركيون إنه في الوقت الذي تطرح فيه الوثائق ومضات عن الأساليب الأميركية في جمع المعلومات حول الخطط الروسية، فإن الوكالات الاستخباراتية الأميركية لا تعلم، حتى الآن، ما إذا كان التسريب سيتسبب في خسارتها أياً من مصادر معلوماتها. وأقر مسؤولون أميركيون بأنهم خسروا بعض مصادر معلوماتهم، منذ اشتعال الحرب، لكن الوثائق الجديدة تُظهر، على ما يبدو، أن الفهم الأميركي للتخطيط الروسي لا يزال كبيراً.
ومع ذلك، ثمة احتمال أن يُحدث هذا التسريب ضرراً حقيقياً في جهود الحرب الأوكرانية، من خلال كشف أي الوكالات الروسية تعرف عنها الولايات المتحدة القدر الأكبر من المعلومات، ما يتيح لموسكو فرصة محتملة لقطع مصادر المعلومات.
وتسبَّب التسريب في تعقيد العلاقات مع دول حليفة، وأثار الشكوك حول قدرة واشنطن على الحفاظ على أسرارها. وبعد مراجعة الوثائق، قال مسؤول استخباراتي غربي رفيع المستوى إن الكشف عن هذه المواد كان مؤلماً ويوحي بأن بإمكانه تقييد جهود التشارك في الاستخبارات. وأوضح المسؤول أن إمداد الوكالات المختلفة بعضها البعض بمواد استخباراتية يتطلب الثقة وضمانات بالحفاظ على سرية معلومات معينة.
علاوة على ذلك، يمكن للوثائق المسرَّبة الإضرار بالروابط الدبلوماسية عبر صور أخرى. تكشف الوثائق الاستخباراتية، التي جرى تسريبها حديثاً، أن الولايات المتحدة لا تتجسس على روسيا فحسب، وإنما كذلك على حلفائها هي. ومع أن هذا قد لا يدهش المسؤولين، فإن الإعلان عن مثل هذا التجسس ربما يعوق العلاقات مع شركاء جوهريين، مثل كوريا الجنوبية، التي تحتاج واشنطن إلى معاونتها لإمداد أوكرانيا بالأسلحة.
وذكر مسؤولون أميركيون، رفيعو المستوى، خلال تحقيق أطلقه «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، الجمعة، أنهم سيحاولون التحرك سريعاً لتحديد مصدر التسريب. وأقر المسؤولون بأن الوثائق تبدو تقارير استخباراتية وعملية حقيقية، جرى تجميعها من جانب «هيئة الأركان المشتركة» بـ«البنتاغون».
ووصف أحد المسؤولين الأميركيين التسريب بأنه «خرق استخباراتي مروع»، زاد سوءًا بسبب كشفه، أمام روسيا، مدى عمق اختراق عملاء الاستخبارات الأميركية الجهاز العسكري الروسي. وأوضح أحد المسؤولين أن مسؤولين بالحكومة الأميركية بحوزتهم تصاريح أمنية، غالباً ما يتلقّون مثل هذه الوثائق، من خلال رسائل بريد إلكتروني يومية، وربما يجري بعد ذلك تحويل هذه الرسائل لآخرين.
وأوضح مسؤول أميركي رفيع المستوى أن اقتفاء أثر المصدر الأصلي للتسريب قد يكون صعباً؛ لأن المئات، إن لم يكن الآلاف، من المسؤولين الأميركيين، لديهم التصاريح الأمنية اللازمة للاطلاع على الوثائق. إلا أنه استطرد بأن «البنتاغون» أقرّ، خلال الأيام القليلة الماضية، إجراءات «لإغلاق» عملية توزيع الوثائق شديدة الحساسية وتقييدها.
وتكشف الوثائق أيضاً أن جميع الهيئات الأمنية الروسية تقريباً مخترَقة بصورة ما من جانب واشنطن. على سبيل المثال، تناقش إحدى الوثائق، والمصنَّفة باعتبارها شديدة السرية، خطط «هيئة الأركان العامة الروسية» للتصدي للدبابات التي قدّمتها دول حلف «الناتو» لأوكرانيا، بما في ذلك خلق «مناطق رمي» مختلفة، وبدء تدريب الجنود الروس على نقاط الضعف في الدبابات المختلفة التي وفّرتها دول الحلف.
وتحدثت وثيقة أخرى عن حملة دعائية تخطط لها وحدة داخل الاستخبارات العسكرية الروسية؛ من أجل تأليب الرأي العام داخل أفريقيا ضد الولايات المتحدة، والترويج للسياسات الخارجية الروسية.
وبينما يطرح بعض التقارير الاستخباراتية الموجزة تحليلاً وتحذيرات واسعة من خطط روسية، فإن تقارير أخرى تتضمن معلومات عملية يمكن لأوكرانيا استغلالها في الدفاع عن نفسها. تحدثت واحدة من الوثائق عن خطط لوزارة الدفاع الروسية لشن هجمات صاروخية ضد قوات أوكرانية بمناطق محددة في أوديسا وميكولايف، في الثالث من مارس، وهو هجوم اعتقدت الاستخبارات الأميركية أنه مصمم لتدمير منطقة تخزين طائرات «درون» ومدفع دفاع جوي وقتل جنود أوكرانيين.
وتناولت وثيقة أخرى تقريراً، صدر عن «مركز قيادة الدفاع الوطني الروسية»، في فبراير (شباط)، حول «تراجع القدرة القتالية» للقوات الروسية في شرق أوكرانيا.
ومع أن الوثائق تولّى تجميعها «هيئة الأركان المشتركة» في «البنتاغون»، فإنها تحوي معلومات استخباراتية من الكثير من الوكالات، بينها «وكالة الأمن الوطني»، و«مكتب الاستخبارات والأبحاث»، التابع لوزارة الخارجية، و«وكالة الاستخبارات المركزية (سي.آي.إيه.)». وحملت بعض الوثائق ملحوظة تفيد بأنه جرى تجميعها، بموجب قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، وأنه لا يحق توزيعها على نطاق أكبر، من دون تصريح من النائب العام.
وكشفت الوثائق أن الاستخبارات الأميركية لا تتجسس على الروس فحسب، وإنما تتنصت كذلك على حلفاء مهمّين.
وخلال الوثائق المنشورة، هناك مناقشتان، على الأقل، حول الجدال الدائر داخل كوريا الجنوبية، حول ما إذا كان ينبغي تقديم قذائف مدفعية للولايات المتحدة، لاستخدامها في أوكرانيا، مما يُعدّ خرقاً لسياسة سيول تجاه توفير مساعدات فتاكة. وكشفت وثائق أن مسؤولي كوريا الجنوبية ساورهم القلق من أن يتصل الرئيس جو بايدن برئيس كوريا الجنوبية، للضغط على سيول لتقديم المساعدات العسكرية.

* خدمة «نيويورك تايمز»