لديَّ شعورٌ بأنَّ معظمَ الكلام الذي يواكبُ نزعَ فتيل التفجير في منطقتنا يستندُ إلى التَّمنيات وتعمّد التَّمويه، لا المُعطيات الحقيقية والالتزامات الجدّية.
شخصياً، لا أشكُّ في أن قلة قليلة من اللاعبين والإقليميين ترفض التسوية السلمية. وأعتقد واثقاً أنَّ على رأس هذه القلة متطرفي اليمين التوراتي - التلمودي الحاكم في إسرائيل ومن يدعمهم خارجها. ولكن من الملاحَظ غياب القواسم السياسية المشتركة التي تتيح تفعيل مقاربات عملية ومخلصة للخروج من «عنق الزجاجة». وكذلك، وجود حالات من انعدام الثقة والصدقية تراكمت لعقود عديدة.
في هذه الأثناء، تستمر المعاناة الإنسانية في فلسطين ولبنان ومناطق أخرى مهدّدة بأن يُخضعها للقتل والتهجير حلم «إسرائيل الكبرى» المندفع بلا مكابح. ولعل مجزرة «الأربعاء الأسود» في لبنان كانت، بعد فظائع غزة، أحد أكثر فصول الاستعصاء الإقليمي... إيلاماً.
بل ربَّما أسهمت قسوتُها في تسريع الاتجاه جدّيّاً نحو خيار التفاوض، الذي قد يؤدي نجاحُه إلى حقن الدماء، وقد يساعد هذا اللاعب المتعنّت أو ذاك... على «النزول عن الشجرة» التي تسلقها مختاراً، و«الحفاظ على ماء الوجه».
مع أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار، لا خلاف على أن ثمة تفاوتاً بين حاجات اللاعبين المعنيين إلى خيار التفاوض. إذ لا تعادل في القوّة التدميرية بينهم، ولا صلابة تحالفاتهم مع داعميهم ورعاتهم، ناهيك بالشعور الصادق بأهمية السلام والعدالة.
بالتالي، بصرف النظر عن صدق النية في التوصل إلى اتفاق حقيقي -لا مؤشرات حتى الآن على وضوح معالمه - تنمّ تصريحات كثيرة عن وجود ميل قوي عند من يأنس في نفسه القوة إلى «الحسم العسكري» وانتهاز الفرصة الحالية لتحقيق حلم هيمنة قديم.
القيادة الإسرائيلية الحالية تقف في طليعة الساعين إلى الاستفادة من اللحظة، عبر رفع سقف المطالب التعجيزية، و«فرملة» آليات الوساطة والتفاوض، ومن ثم... الانقلاب على أي نتيجة قد تؤدي إليها هذه الآليات.
وينبري بتسلئيل سموتريتش ليكرّر أمام جمهوره التوراتي المتطرّف وعود التوسع في الاحتلال، ويتباهى إيتمار بن غفير بسجله الدموي الفاشي الذي كان آخر فصوله إقرار إعدام الأسرى الفلسطينيين.
في المقابل، ترى بعض الرؤوس الحامية في إيران أنه ما عاد لديها ما تخسره بعدما شنّت واشنطن وتل أبيب عليها «حرب إسقاط النظام».
ومن هذا المنطلق، تعمل هذه الرؤوس، وبخاصة في «الحرس الثوري»، على «تغيير شروط اللعبة» بما يوافق نقاط القوة والضغط المتوافرة لها... وهذا بعدما دفعت غالياً ثمن مواجهات الجولات الأولى التي «لعبها» الأميركيون والإسرائيليون وفق أولوياتهم.
وكان على رأس تلك الأولويات: قتل رأس النظام، ثم شنّ عمليات متلاحقة تهدف إلى تدمير بنية «الحرس الثوري» ومرافق إيران الاقتصادية الحيوية، وملاحقة القوى الإقليمية الرديفة المرتبطة عقائدياً واستراتيجياً مع طهران.
قرار تغيير شروط اللعبة هذا تجسّد بدايةً في خطوتين (عسكرية واقتصادية)، هما: استهداف القواعد العسكرية في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز، مع ما ينطوي عليه قرار كهذا من تبعات وردّات فعل يصعب التحسّب لها، لا سيما في عهد رئيس أميركي مثل دونالد ترمب.
ثم إنه لا يكفي في حالات كإغلاق ممر مائي دولي بأهمية مضيق هرمز تصوّر أن «الأعداء» وحدهم سيقتنعون بأنهم الأطراف المستهدفة. إذ إن واقع الأمر يشير إلى وجود جهات عديدة تشعر الآن بأنه زُّج بها في صراع مُكلف وخطير كانت في غنى عنه. ثم إن هذه الجهات، وإن كانت ترغب في التوسّط، قد تجد نفسها عاجزة عن ذلك أمام حدة الاستقطاب والسقوف العالية.
الوضع الراهن في لبنان، فعلياً، من الأمثلة المؤلمة على حدة الاستقطاب، وهذه حقيقة يعرفها اللبنانيون، والعرب، والإسرائيليون... وطبعاً الأميركيون.
المعروف أن تأسيس لبنان عام 1920، جاء بعد حرب عالمية غيَّرت خرائط، واستنهض حروباً وفتناً إقليمية تعود تاريخياً إلى نضج «المسألة الشرقية» في القرن الميلادي الـ18. غير أن هذا التأسيس، الذي كبّر حجم «متصرفية جبل لبنان» ذات الكثافة السكانية المسيحية، ألحق بـ«المتصرفية» مناطق كبيرة ذات كثافة مسلمة.
ومع تذكّر أن «المتصرفية» نفسها أُسّست في نهاية حرب أهلية بين 1840 و1860، ندرك لماذا اتسم تاريخ لبنان المُعاصر بالهشاشة، وضعف التوافق، والهروب الدائم إلى التسويات المَرعيّة -أو المُوحى بها- خارجياً.
عام 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان إبان عهدي رئيس وزراء إسرائيلي يميني هو مناحيم بيغن، ورئيس جمهورية أميركي يميني هو رونالد ريغان، بهدف تصفية وجود المقاومة الفلسطينية.
واليوم يُجتاح لبنان ونسمع أن الهدف المعلن هو ضرب «حزب الله»، الذي لم يكن موجوداً عام 1982!
مأساة اللبنانيين اليوم أن بعضهم لم يعارض «اجتياح 1982»، بل حاول تبريره بالحاجة لإنهاء الهيمنة الفلسطينية المسلحة. واليوم أيضاً لا إجماع على رفض الاجتياح الحالي الذي يحاول تبريره بإنقاذ البلاد من الهيمنة الإيرانية.
اللا معارضة في الماضي، مثل اللا إجماع اليوم، لم ولن يحصِّنا الكيان الصغير المهدّد دائماً بأن يكون أول الخاسرين!
