جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

المجر... أوربان أمام تحدٍ قد يقلب المشهد

استمع إلى المقالة

العيش في بلدان الغرب لفترة طويلة نسبياً، والانخراط في الحياة السياسية من مسافة قريبة يجعل المراقب الخارجي حذراً في تكهناته المتصلة بالانتخابات. هذا الحرص مصدره تجارب سابقة راهن فيها الجميع على «حصان رابح» بناءً على استطلاعات الرأي وتحليلات الخبراء، لكن النتائج جاءت مخيبة للتوقعات، وذهب الفوز للطرف غير المنتظر.

اليوم الأحد، 12 أبريل (نيسان) 2026، يتوجه الناخبون المجريون إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات نيابية وُصفت بأنها الأهم في أوروبا خلال السنوات الأخيرة؛ فهي انتخابات تترقب نتائجها واشنطن وموسكو من جهة، وكييف وبروكسل من جهة أخرى.اليوم يقف حزب رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان (فيدس) في مجابة ليست بالهينة بالنظر لنتائج الانتخابات التي تجرى اليوم الأحد، إذ أنَّ أقلية لا يتجاوز تعدادها 8% من عدد السكان قد تقلب المعادلة الانتخابية في هذا البلد الذي لا يتجاوز عدد سكانه العشرة ملايين نسمة.

وعلى الرغم من أنَّ أقلية «الروما» كانت في صف حزب أوربان طيلة مدة رئاسته، إلا أنها الآن تعيد النظر في هذا الولاء، نتيجة السياسة التعليمية التي تنتهجها حكومة أوربان.

في خطوة لافتة، أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب نائبه، جي دي فانس، إلى بودابست خلال اليومين الماضيين لدعم رئيس الحكومة فيكتور أوربان، الذي يعد أقدم رئيس حكومة في أوروبا (16 عاماً في السلطة). وتكتسب هذه الانتخابات خصوصية فريدة، كونها المرة الأولى التي يخوض فيها أوربان وحزبه المعركة الانتخابية دون أن يتصدرا قائمة استطلاعات الرأي العام.

بالنسبة للاتحاد الأوروبي وأوكرانيا، فإن خسارة أوربان تعني إزاحة «عقبة كأداء» من الطريق، مما يفتح الباب أمام بروكسل لفتح خزائنها وتقديم الدعم المالي المطلوب لكييف لشراء السلاح والذخيرة. وكان أوربان قد وقف حجر عثرة أمام القرض الأوروبي البالغ 90 مليار يورو، مشترطاً لموافقته قيام أوكرانيا بفتح أنبوب الغاز القادم من موسكو باتجاه بودابست، وهو ما يرفضه الرئيس فولوديمير زيلينسكي بشدة.

يرى أوربان أن سياسات زيلينسكي تهدد سلامة بلاده. وفي تصعيد أمني الشهر الماضي، ضبطت قوات مكافحة الإرهاب المجرية شاحنة محملة بالمال والذهب قادمة من النمسا باتجاه أوكرانيا. وبينما أكدت كييف أن الأموال مخصصة لمشاريع تنموية، رفضت المجر إخلاء سبيل الشحنة وفتحت تحقيقاً في قضية «تهريب وغسل أموال»، مما زاد من حدة التوتر بين الجارتين.

زيارة نائب الرئيس الأميركي، فانس، وظهوره بجانب أوربان عَدَّهما البعض تدخلاً في الشؤون الداخلية للمجر، ومحاولة أخيرة من واشنطن لقلب الموازين والتأثير على الناخبين المترددين.

ورغم تأخر حزبه في الاستطلاعات، فإن بعض التقارير الإعلامية لا تزال ترجح احتمال فوز أوربان إذا تمكن من حشد نحو 500 ألف صوت إضافي من قاعدته الانتخابية.

خسارة أوربان لن تكون مجرد شأن داخلي، بل هي خسارة استراتيجية لموسكو التي ستفقد حليفاً أثبت جدواه كـ«حصان طروادة» داخل الاتحاد الأوروبي، سواء برفضه وقف إمدادات الغاز الروسي، أو بمعارضته تسريع عضوية أوكرانيا في الاتحاد.

في المقابل، يزداد قلق بروكسل من فوز جديد لأوربان يعمق سياسة «وضع الحواجز» المجرية أمام السياسات الخارجية الموحدة. ورغم أن قانون الاتحاد يجيز سحب حق التصويت من دولة عضو بإجماع 26 دولة، فإن هذا الخيار يظل مستبعداً في حالة المجر بسبب الدعم الذي تتلقاه بودابست من دول مثل سلوفاكيا وتشيكيا وإيطاليا.

تبقى صناديق الاقتراع اليوم هي الفيصل، فهل يغادر أوربان المسرح السياسي، أم ينجح في قلب الطاولة مرة أخرى؟