TT

«خلافات جيرة» وراء واقعة «كمبوند الشيخ زايد» في مصر

أعادت مشاجرة بين جيران بكمبوند سكني يقع في مدينة الشيخ زايد (غرب القاهرة) خلافات الجيرة في مصر إلى الواجهة، حيث تصدرت الواقعة اهتمامات المصريين خلال الساعات الماضية.
وبدأت الواقعة عندما نشر أحد سكان الكمبوند مقطع فيديو ظهرت خلاله سيدة معها «شومة» تهدد جارها بها، وتوجه إليه الشتائم وعبارات السباب. وفي حين طالبها الجار بالتحدث مع زوجها أو ابنها، كانت تهرول لتلحق به بالعصا التي كانت تمسك بها.
وتقدمت المحامية نهى الجندي ببلاغ إلكتروني إلى وزارة الداخلية المصرية حمل رقم 570 عرائض. وقالت الجندي في تصريحات صحافية إن «الواقعة تمثل استعراض قوة من جانب السيدة». وحسب مقدمة البلاغ، فإن «السيدة المشكو في حقها أثارت مشاعر غضب كل من شاهد الفيديو بسبب ألفاظها الخادشة للحياء العام، وبالوقت ذاته لم يصدر من الطرف الثاني أي أفعال يعاقب عليها القانون».
وبينما تردد أن هناك اتجاهاً للصلح بين الطرفين، فإن «الحادث ما زال يثير غضب المصريين، ويدعو إلى الحزن على ما وصلت إليه علاقات الجيرة، وفق دكتور أشرف جودة خبير الاجتماع والعلاقات الإنسانية الذي وصف ما حدث في الكمبوند بـ(مخالفة لهوية المجتمع المصري وقيمه وتقاليده)».
وقال جودة لـ«الشرق الأوسط»: «لم تكن مقولة الجيران لبعضها، أو الجار للجار، مجرد كلمات تتردد عبثاً بين المصريين، لكنها كانت تجسد واقعاً حيث تبادل الزيارات، والأطعمة والمشاركة بالأفراح والأحزان». وأضاف: «إذا كان من المعروف أن الأمر الآن قد تغير عن الماضي، فإنه من المؤسف أن يصل إلى توجيه أفظع الشتائم والتهديد بالضرب بالشومة، ومن جانب سيدة كبيرة في السن من المفترض أنها ناضجة، ولديها مقدار من الحكمة، لا سيما أنه تجاه رجل من الواضح أنه يحاول تهدئتها، وتوضيح المشكلة لها ولمن معها بهدوء».
وتزداد المشكلة سوءاً، وتعددت أبعادها بشكل أكثر خطورة وكشفاً للعيوب المتزايدة في السلوكيات المجتمعية، وفق جودة، في هذا الحادث بسبب وقوعه في تجمع سكني من المفترض أنه راقٍ، وهو كمبوند قد لا تقل الوحدة السكنية فيه عن عدة ملايين من الجنيهات، ما يشير إلى تغير آخر في سمات هذه الطبقة التي كان يطلق عليها في مصر من فرط تقديرها وتمييزها عن غيرها من الطبقات (أولاد ناس) أو (أولاد ذوات)، إلا أنه يكشف في الوقت نفسه أن الأثرياء لم يعودوا بالطباع والسلوكيات التي كانت تخصهم، رغم أنهم يتمتعون بالراحة والرفاهية والعيش في مكان هادئ لا يستدعي هذه العصبية المفرطة».
وشهدت مصر خلال الآونة الأخيرة حوادث قتل مروعة كانت سببها خلافات الجيرة، وهو ما يعزوه المتابعون والخبراء إلى تغيرات اجتماعية يعززها استعراض القوة لحل الخلافات بعيداً عن القانون.
وفي بداية مارس (آذار) الجاري، لقي محامٍ أربعيني في محافظة الفيوم (جنوب غربي القاهرة) حتفه بطريقة مروعة أمام أعين زوجته وأطفاله، على يده جاره الذي وجه له عدة ضربات بالفأس على رأسه ورقبته، وسط صراخ الزوجة.
وفي عام 2017، قضت محكمة جنايات شمال القاهرة، بمعاقبة عاطل يدعى «محمد م.» بالسجن المشدد 15 عاماً، لقتله جاره بسبب خلافات على «موتور المياه».
وتتعدد الأسباب التي أدت إلى هذا التدهور في العلاقات بين الجيران، حسب خبير الاجتماع: «أثر العالم الافتراضي تأثيراً كثيراً في العلاقات الاجتماعية بين الناس ومن بينها الجيران، حيث بات التواصل فيما بينهم يكاد ينحصر على التحادث عبر التطبيقات المختلفة، كما أنه في ظل ضغوط الحياة، وانشغال المرأة بعملها وطموحها، لم يعد لديها الوقت ولا الرغبة في توسيع علاقتها بجارتها، فضلاً على أنه في ظل التمدد العمراني، أصبحت هناك صعوبة لبناء علاقة مع هذا العدد الكبير من الأشخاص الذين لم نخترهم، ولا نعرفهم».
وتُعد «منظومة» الكمبوندات بطبيعتها سبباً في حد ذاته لتراجع العلاقات بين الجيران، حسب رؤية جودة: «تمثل عوالم منعزلة، شديدة الانفصال عن الواقع المصري، تحيطها الأسوار والفراغات، وهي إن كانت تحقق لطبقة الأثرياء الانسحاب من عمق القاهرة، بزحامها وضوضائها، إلا أنها تظل بسبب تصميم معظمها بلا روح، وبمثابة حاجز نفسي منيع، يفرض العزلة والوحدة، ويقلل من الاختلاط والاحتكاك المباشر بين الناس».
ومن جانبه، قال المحامي مدحت شنن إن «ما قامت به السيدة في الفيديو يتضمن جريمتين؛ الأولى جريمة استعراض القوة المجرمة بنص المادة 375 مكرر من قانون العقوبات؛ حيث استعرضت القوة، ولوّحت بالعنف باستخدام شومة، بالإضافة إلى جريمة السب، المجرمة بنص المادة 302 و306 من قانون العقوبات لقيامها بسب الشاب بألفاظ خارجة».