علي سالم
كاتب ومسرحي مصري. تشمل أعماله 15 كتابا و27 مسرحية أغلبيتها روايات ومسرحيات كوميدية وهجائية، كما نشر تعليقات وآراء سياسية خاصةً بشأن السياسة المصرية والعلاقات بين العالم العربي وإسرائيل
TT

تسقط الكلمات.. تحيا الأفعال

أفكر في جدي الكبير ساكن الكهف، لم يكن في حاجة إلى الكلمات لذلك أستبعد تماما أنه كان يتكلم. غير أنه بالتأكيد تعبيرا عن انفعالاته، كان يهمهم أو يصدر أصواتا غاضبة أي يزمجر أو يصرخ رعبا أو ليخيف الآخر. ومع المزيد من إحساسه بالطمأنينة والأمان وبعض الممارسات الممتعة التي لم يكن يعرف لها اسما، بدأ ينحت الحروف أو ربما وجد أنه من السهل تحويل الصيحات والآهات والغمغمات إلى حروف لا تتطلب جهدا كبيرا في التعامل بها. ولكن متى عرف الكلمات؟
أعتقد أنه عرف الأفعال في البداية، ثم هداه عقله أو غريزته إلى استخدام الحروف لصنع كلمات تعبر عن هذه الأفعال. طبعا جئنا نحن بعد عدة عشرات الآلاف من السنين لنفصل بين الكلمة والفعل. متجاهلين الأصل في الحكاية وهو أن الكلمة بالضرورة تعبير عن فعل.
وما لم تدفع الكلمة إلى فعل، أو تغري به فهي ليست أكثر من لا شيء. ربما تسألني بقصد إحراجي: حتى كلمات الحب هي أفعال؟
وأرد عليك: نعم.. عندما تقول الحبيبة لحبيبها أحبك، فمعنى ذلك أنها تطلب منه التفكير في ضرورة امتلاك شقة لكي تكون عشا للزوجية، وأن يجهز مبلغا من المال ليدفع مهرها و.. و.. و..
أهمية أن تنطوي الكلمات على أفعال، تتضح بجلاء في مجالين هما السياسة والدراما بكل أنواعها. في السياسة لا بد أن تكون كل كلمة قابلة للتحول إلى فعل مثمر على الأرض وفي الدراما كل جملة حوار هي بحد ذاتها فعل ينقل اللقطة أو الموقف إلى اللحظة التالية. نتكلم عن الحوار وليس الكلام. ومن الطريف أن الفكر الشعبي اكتشف أنه لا جدوى من الكلام الذي لا يحض على الفعل وذلك في أمثلة طريفة «كلام الليل مدهون بزبدة، يطلع عليه النهار يسيح» كما يقولون «أهو كلام ابن عم حديت» وأحيانا يكتفون بالقول: «أهو كلام..» عدد قليل للغاية من كتاب الدراما يعرفون الفرق بين «الحوار» و«الكلام» فمثلا عندما أقول لك: امبارح رحت لإبراهيم وخدت الشاي معاه.. قعد يكلمني عن اللي عملته فيه سنية، زعلان منها قوي.. فأنا قلت له إيه.
هذا هو الكلام وليس الحوار تستطيع أن تخرج من فمك أطنانا منه، ولكنها تظل عاجزة عن الانتقال من لحظة إلى أخرى. ونأتي إلى المجال الأخطر وهو السياسة، فقد يحدث أحيانا وخاصة في الأنظمة السلطوية، أن تلجأ الحكومات إلى الكلمات المريحة الجميلة ويزينونها بالورود ثم يحولون كل ذلك إلى مشروع. وعند البدء في تنفيذه تبدأ الكارثة في الاتضاح. ولذلك أنا أشعر بالشك في كل المشاريع المريحة جدا والتي تبدو أشبه بالمعجزة. لن أذكر لك أمثلة لهذا النوع، لن أقول لك توشكى مثلا، ربنا أمر بالستر، ولكن اسمح لي أن أذكر لك مثالا للمشاريع التي يفكر صناعها في الكلمات بوصفها أداة لإرضاء الناس أو خداعهم، توزيع الأرض على الخريجين الشبان، ويفشل المشروع بالطبع ويخسر الشبان الجلد والسقط. كل ذلك لأن صاحب المشروع لم يفكر فعلا في زراعة الأرض وإلا لأدرك أن الأرض يزرعها الفلاحون وليس الخريجون.