غضب ليبي بعد تكريم مسؤولة ارتبط اسمها بـ«القمع» في عهد القذافي

ضمن مراسم حضرتها هدى بن عامر رئيسة «الرقابة الشعبية» السابقة

جانب من تكريم بن عامر في احتفالية أقامتها هيئة الرقابة الإدارية بطرابلس 13 مايو (لقطة من قناة ليبية)
جانب من تكريم بن عامر في احتفالية أقامتها هيئة الرقابة الإدارية بطرابلس 13 مايو (لقطة من قناة ليبية)
TT

غضب ليبي بعد تكريم مسؤولة ارتبط اسمها بـ«القمع» في عهد القذافي

جانب من تكريم بن عامر في احتفالية أقامتها هيئة الرقابة الإدارية بطرابلس 13 مايو (لقطة من قناة ليبية)
جانب من تكريم بن عامر في احتفالية أقامتها هيئة الرقابة الإدارية بطرابلس 13 مايو (لقطة من قناة ليبية)

تصاعدت حالة من الغضب في أوساط ليبية مختلفة بعد تكريم هدى بن عامر، المسؤولة السابقة في عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، التي ارتبط اسمها بوقائع إعدام مواطنين، وعدَّ البعض أن استحضارها المشهد «انتكاسة لثورة 17 فبراير (شباط)»، و«إهانة للذاكرة الجماعية».

وشغلت بن عامر منصب الأمين العام لـ«جهاز التفتيش والرقابة الشعبية»، خلال عاميْ 2010 و2011، وهو المسمى السابق لهيئة الرقابة الإدارية الراهنة، كما كانت بن عامر، التي عدَّها البعض «مثيرة للجدل»، عضواً مؤثراً في «اللجان الثورية»، وأمينة شؤون المرأة في مؤتمر الشعب العام.

وخلال احتفالية نظّمتها هيئة الرقابة الإدارية في طرابلس، الأربعاء، بمناسبة مرور 55 عاماً على صدور تقاريرها السنوية، و76 عاماً على تأسيسها، جرى استعراض مسيرة رؤساء الهيئة السابقين، وتكريمهم بدرع خاص، من بينهم هدى بن عامر، الذي أحدث ظهور اسمها حالة متباينة غلب عليها الرفض.

هدى بن عامر (متداولة)

ويرى شكري السنكي، الكاتب والمؤرخ الليبي، أن بن عامر شخصية «مثيرة للجدل وتكريمها مستفز»، وأرجع ذلك إلى ارتباط اسمها بسنوات حكم القذافي التي اتسمت بـ«القمع وسفك دماء المواطنين».

وقال السنكي، في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك»، إن بن عامر «كانت ضمن زمرة نظام القذافي الذين حضروا المحاكمة الصورية، التي عُقدت داخل مجمع سليمان الضراط بمدينة بنغازي، فيما سُمّي آنذاك بـ(المحكمة الثورية)، التي أصدرت حكماً بالإعدام على الصادق الشويهدي في 5 يونيو (حزيران) 1984».

وشغلت بن عامر أيضاً مناصب قيادية في فترة الجماهيرية، من بينها رئاسة بلدية بنغازي، وأمينة شؤون المرأة بمؤتمر الشعب العام، والأمين العام لجهاز التفتيش والرقابة الشعبية خلال عاميْ 2010 و2011، وهو المسمى السابق لهيئة الرقابة الإدارية.

وعدَّ السنكي تكريم بن عامر «إهانةً للذاكرة الوطنية، وإفراغاً لمفهوم التكريم من رمزيته وقيمته وأهدافه»، كما «يثير دعوات إلى التحرك من أجل سحبه وتقديم اعتذار للشعب الليبي، إضافة إلى المطالبة بإقالة عبد الله قادربوه، الرئيس الحالي لهيئة الرقابة الإدارية، من منصبه».

وشمل التكريم، بالإضافة إلى بن عامر، قيادات أخرى من اللجان الثورية ورموز نظام القذافي، وهم: عمار مبروك الطيف، وعوض حمزة، وحسني الوحيشي الصادق، وعبد القادر البغدادي، ومحمد محمود حجازي.

«إعدام طلاب الجامعات»

لا يزال الليبيون يتذكرون وقائع «قصة دامية» جرت تفاصيلها في عام 1977 أثناء حكم القذافي، وانتهت - وفق رواتها - بتعليق عدد من طلاب الجامعات والمعارضين على أعواد المشانق في ساحات الجامعات والميادين الليبية.

ويروي متابعون لهذه الأحداث أن الأجهزة الأمنية، وما يُعرف بعناصر «اللجان الثورية»، استهدفت معارضي النظام بشكل واسع، وشنّت حملة مداهمات على جامعتيْ طرابلس وبنغازي، واعتقلت عدداً كبيراً من الطلاب، وفق تقارير، انتهت إلى شنقهم على منصات نُصبت في حَرَم الجامعات والشوارع، وأُجبر المواطنون على مشاهدتها حينها، لكن هذه الواقعة يُشكك فيها أنصار النظام السابق، ويرون أن المحاكمات كانت «لإرهابيين».

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (رويترز)

وقال الدكتور عبد المنعم الحر، رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا، إن «الذاكرة الوطنية لأي شعب هي مِلك للضحايا والمظلومين، وبالتالي فإن تكريم بن عامر هو إهانة للضحايا وللذاكرة الجماعية».

وعَدَّ الحر، في تصريح صحافي، أنه «عندما يجري الاحتفاء بشخصيةٍ يراها قطاع واسع من الشعب مسؤولة عن آلامهم؛ فإن ذلك يُعد اعتداءً معنوياً متجدداً على أُسر الضحايا، الذين سقطوا في فترةٍ كانت شاهدة عليها ومشاركة فيها».

وانتهى الحر إلى أن هذا التكريم «يسهم في طمس الحقائق التاريخية، بدلاً من توثيقها، ويُحول الجلاد إلى بطل في رواية رسمية منقوصة، مما يعوق عملية الشفاء الوطني».

وعقب الإعلان عن عملية التكريم، ضجّت الساحة الليبية بالمعترضين والغاضبين. وعدَّت أمينة الحاسية، عضو اللجنة «الاستشارية»، التكريم «آخر رصاصة في القلب قتلت بها ثورة فبراير»، لكن الأمر لم يخلُ من المدافعين عن بن عامر، وخاصة في صفوف أنصار نظام القذافي.

وتعتقد عفاف الفرجاني، الكاتبة الليبية، أن عبد الله قادربوه، رئيس هيئة الرقابة الإدارية، «اتخذ موقفاً نبيلاً، بعيداً عن عقلية القطيع وثقافة الانتقام التي تحكم هذا المشهد منذ سنوات، عندما استدعى شخصاً مهنياً مثل هدى بن عامر لتكريمها على مشوارها وما قدمته للهيئة».

هيسيريا الإلغاء

وقالت الفرجاني، في إدراج لها عبر صفحتها على «فيسبوك»، إن «الشعوب المحترمة لا تمحو تاريخها، ولا تدخل في هستيريا الإلغاء لكل من ينتمي لمرحلة سياسية سابقة... وحدكم حوّلتم ليبيا إلى ساحة كراهية مفتوحة لا تعرف إلا التخوين والشماتة».

ورأت الفرجاني أن «صفحات التطرف خرجت لتنهش في قادربوه لأنه لم يشاركهم سياسة الإقصاء، وكأن الوطنية مِلكية خاصة تُوزعها التيارات المؤدلجة». وقالت لمنتقدي تكريم بن عامر: «أنتم لا تبنون دولة؛ أنتم تحترفون فقط هدم الذاكرة».

ويُعدّ تيار الرفض لتكريم بن عامر هو الأبرز والأعلى صوتاً في ليبيا، مصعداً تجاه رئيس هيئة الرقابة، بين مَن طالبه بـ«الاعتذار»، وبين مَن يُشدد على ضرورة إقالته، وهو الرأي الذي تبنّاه المحلل السياسي محمود إسماعيل.

وقال مصطفى الزايدي، رئيس «حزب الحركة الشعبية»، إن هدى بن عامر «من أسرة مشهود لها بالوطنية والصدق في القول والعمل»، كما أنها سيدة «مناضلة وطنية وقائدة نسوية، نقشت للمرأة الليبية موضعاً رفيعاً بين النساء العربيات».

وسبق أن دعا يوسف العقوري، عضو مجلس النواب الليبي ورئيس لجنة الشؤون الخارجية، إلى محاسبة المتورطين في إعدام عدد من الطلاب والمعارضين عام 1977، معرباً عن أسفه لـ«تلك الفترة الحزينة من تاريخ ليبيا».

وقال العقوري، في ذكرى سابقة لهذه الواقعة، إن «النظام السابق كان قد بدأ حملة قمع واسعة وغير مسبوقة ضد طلاب جامعتيْ بنغازي وطرابلس، والمواطنين الليبيين بالخارج، بزعم معاداة (الثورة) في ذلك الوقت».


مقالات ذات صلة

جدل ليبي حول زيادة رواتب العسكريين رغم الأزمة الاقتصادية

شمال افريقيا صدام حفتر خلال اجتماع مع عدد من منتسبي «الجيش الوطني» (الجيش الوطني)

جدل ليبي حول زيادة رواتب العسكريين رغم الأزمة الاقتصادية

حذّر خبراء أمنيون وباحثون ليبيون من تداعيات زيادة رواتب المنتسبين إلى المؤسستين العسكرية والأمنية بالبلاد في ظل ما تفرضه من أعباء على الاقتصاد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا خلال استقبال القيادة العامة في بنغازي وفداً من أعضاء الكونغرس الأميركي 28 يوليو (القيادة العامة)

اتفاق ليبي - أميركي على تأسيس «رفة عمليات عسكرية مشتركة» بسرت

بحثت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي مع وفد من أعضاء الكونغرس الأميركي سبل تعزيز التعاون الدفاعي وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة متداولة لحجم الاحتجاجات في طرابلس العاصمة

الدبيبة يتحرك لامتصاص غضب المحتجين... واستئناف ضخ الغاز

أعلنت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، أن قوات وزارة الدفاع تمكنت من السيطرة الكاملة وتأمين «مجمع مليتة»، بما يضمن سلامة العاملين، وإعادة فتح خطوط الغاز.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا أكدت المؤسسة الوطنية للنفط أن حماية قطاع النفط والغاز ركيزة أساسية لاستقرار الدولة (متداولة)

الحكومة الليبية تعلن استئناف ضخ الغاز بعد احتجاجات

أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا، اليوم الثلاثاء، استئناف الإنتاج في حقلي الفيل والوفاء بعد أن توقف كلياً في الأول وجزئياً في الثاني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري الدبيبة مستقبلاً رئيس جهاز الاستخبارات في غرب ليبيا داخل مقر وزارة الدفاع أول يوليو (حكومة الوحدة)

تحليل إخباري بلد النفط الغارق في الأزمات... لماذا لا تخرج ليبيا من كبوتها؟

عرفت ليبيا أزمات مختلفة من نوعية شح السيولة، ونقص إمدادات الوقود، وتدني الرواتب الحكومية، وصولاً إلى انقطاع الكهرباء لمدد طويلة تجاوزت 17 ساعة في اليوم.

جمال جوهر (القاهرة)