مؤتمرات المناخ بين النظرية والتطبيق

مؤتمرات المناخ بين النظرية والتطبيق

الأحد - 25 شهر ربيع الثاني 1444 هـ - 20 نوفمبر 2022 مـ رقم العدد [16063]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

بانتهاء مؤتمر المناخ السابع والعشرين (كوب27) في شرم الشيخ، والخلافات المعتادة حول البيان النهائي، أود سرد بعض ملاحظات من متابعاتي منذ أول المؤتمرات في برلين الموحدة حديثاً في 1995، وكان وليد مؤتمر الأرض في 1992 في البرازيل برعاية الأمم المتحدة وبمشاركة 172 من أمم العالم، مثلها 108 رؤساء دول، و2400 مندوب، وأكثر من عشرة آلاف صحافي بجانب سبعة عشر ألفاً من المنظمات غير الحكومية.
العدد ارتفع في شرم الشيخ إلى أكثر من ثلاثة وثلاثين ألف مشارك، وأكثر من مائة زعيم دولة جاءوا ليلقوا محاضرات عن التقليل من النشاط الإنساني، الذي يستخدم محروقات تضيف عوادم الكربون إلى الهواء، مثل الطائرات التي وصل بها معظمهم لتسهم محركاتها النفاثة بمئات الآلاف من أطنان محروقات الكربون.
في المؤتمرات ذات النوايا النبيلة تجد المفارقات التي قد تؤثر سلباً على النتائج المرغوبة.
القول الإنجليزي «الغناء من نوتة الموشح (hymn) نفسه»، يعني عدم تناقض أهداف كل الأطراف المشارك مع غاية المؤتمر ككل.
فعدم إدراك تناقضات النوايا الحسنة مع المصالح الاقتصادية والواقع اليومي للأفراد والمجتمعات، أحياناً ما يؤدي إلى سياسات جذبت تصفيق المؤتمر العالمي لكن نتائجها معاكسة للأهداف المعلنة.
منها مثلاً سياسات تتخذها الحكومات نتيجة الضغوط الآيديولوجية، كفرض رسوم البيئة على السيارات والشاحنات، فيبحث سائقوها عن طرق فرعية لتجنب دفع الرسوم ما يطيل فترة تشغيل المحرك ويزيد من تلوث الجو، وتتعرض الطرق الجانبية لضغوط أدت لشروخ مواسير المياه وضياع ملايين من اللترات ما أضر بالبيئة.
ما غاية مؤتمر تكرر سبعاً وعشرين مرة حول العالم؟
ما «المشكلة» التي تحتاج حلاً؟
هناك فارق بين «ظاهرة» طبيعية وبين «مشكلة» باستطاعة الإنسان حلها.
لا شك أن قصور التعامل مع نتائج الظاهرة يخلق مشاكل تتطلب المعالجة، لكنها لن تمنع الظاهرة نفسها من الاستمرار والتكرر.
ما أقصده أن التغير المناخي، مستمر لملايين السنين وتسبب في انفصال القارات واختفاء كائنات كالديناصورات، قبل أن يمشي الإنسان على ظهر الأرض، والادعاء بأن الإنسان وحده (رغم تلويثه للبيئة)، في قرنين، هو فقط المسؤول عن التغير المناخي، هو هوس آيديولوجي لن يساعد العالم على التوصل لأساليب لمعالجة نتائج الظاهرة الطبيعية.
ومن المفارقات أيضاً الخلاف حول مطالبة الدول النامية البلدان الغربية بدفع تعويضات بمبالغ فلكية، عما تعتقد أنه أضرار لحقت بها نتيجة ما سكبته الدول الصناعية المتقدمة (المقصود أوروبا الغربية فقط - ثم أميركا في القرن العشرين) من كربون وعادم محروقات منذ الثورة الصناعية في نهاية القرن الثامن عشر.
ما قد يعرقل التعاون الدولي هو ازدواجية المعايير وتغليب الآيديولوجية الماركسية اللون على المنطق والواقع، من جانب تيارات اليسار البيئي التي تتجاهل النشاط الصناعي للصين وفيها 3037 محطة طاقة بالفحم (مقابل 163 محطة غاز) وفي عام 2020 أنشأت ثلاثة أضعاف بلدان العالم كله من هذه المحطات، أو الهند التي أنشأت 285 محطة طاقة بالفحم (مقابل 61 محطة بالغاز)... الحجة التي تسوقها الحملة الراديكالية البيئية أن بلداناً كالصين والهند والبرازيل فاتها قطار الثورة الصناعية بأكثر من قرن ونصف، وأنها كانت «مستعمرات» أوروبية، وبالتالي لا بد من إعطائها فرصة للحاق بركب التصنيع. هنا يظهر التناقض مع الادعاء أن العالم يواجه حالة طوارئ بيئية، لأن الطوارئ كالحريق مثلاً أو تسرب غاز سام لا تحتمل التأجيل.
وهناك شكوك حول غياب احتجاجات الخضر ومعارضي الطاقة الكربونية، من أمام سفارات الهند والصين أو حتى محاولة الضغط عليها للتخلي عن المحروقات بأن الحملة وراءها مستفيدون من تمويل مصدره ضرائب خضراء (بيئية)، تفرضها الحكومات الغربية المنتخبة ديمقراطياً بضغوط الرأي العام، لأنهم يدركون أن حكومات بلدان كالهند والصين لن تفرض مثل هذه الضرائب لدعم مشروعات (يصفها المنتقدون «بالفيل الأبيض») تملأ جيوب المستثمرين فيها. وحتى الآن لم يتوازن كشف حساب تكلفة (مدعومة من الضريبة الخضراء) ما يسمى الطاقة الخضراء مع ما توفره بالفعل – أي يبقى توليد الطاقة من الغاز أقل تكلفة منها.
البلدان المطالبة بتعويضات عن أضرار البيئة، كلها تقريباً استفادت من تأسيس بنية تحتية كموانئ وكَبَارٍ، وسكة حديدية، وقنوات، ومصانع، ومدن بأكملها - في القرنين التاسع عشر والعشرين بفضل الصناعات الأوروبية.
على سبيل المثال لا الحصر، سكة شرق أفريقيا الحديدية، التي أنشأتها شركة شرق أفريقيا لتربط أوغندا وكينيا بالمحيط الهندي بدأت في 1890 وربطت كامبالا في أوغندا بمومباسا، وشاطئ بحيرة فيكتوريا بموانئ المحيط الهندي.
أما سكة الهند الحديدية فقد بدأت في 1853 بين مومباي والسند، ثم توسعت لتصل قرابة ثمانية وستين ألف كيلومتر، معظم بنيتها وآلاتها والقطارات والوقود من تصنيع بريطانيا وبلدان أوروبية، ثم الهند نفسها في العقود الأخيرة.
أما السكة الحديدية المصرية فقد بدأت في عهد محمد علي باشا (1769 - 1849 وفترة حكمه 1804 - 1848) باستيراد القضبان والمعدات في 1820 من بريطانيا، وبدأ إنشاء المحطات والكباري في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر، إلى جانب تحديث وتصنيع موانئ الإسكندرية والسويس، توسعت السكة الحديدية في عهد الخديوي إسماعيل باشا (1830 - 1895) ما بين 1863 و1879 لتصل إلى أكثر من ألف وتسعمائة كيلومتر، وتم حفر 112 قناة وترعة بطول 13500 كيلومتر واستصلاح أكثر من ثلاثة أرباع مليون فدان والتوسع في الموانئ والمنارات وحفر قناة السويس.
هذه المشاريع على سبيل المثال لا الحصر التي بنت الاقتصاد الحديث في مصر والهند وبقية أفريقيا والصين، كلها بآلات وأدوات وإنشاءات ومحركات صنعت في بريطانيا وبلدان أوروبا الصناعية، وبالطبع استوردت المصانع والمنشآت والموانئ في مصر وبقية أفريقيا وآسيا الفحم وآلات ومعدات التصنيع من أوروبا، بسفن شحن استخدمت الوقود الكربوني (الفحم ثم البترول) بجانب عوادم التصنيع الأصلية، وعوادم النقل الداخلي وتركيبها. كيف إذن تحسب هذه البلدان نصيبها من المساهمة بضخ عوادم المحروقات والكربون في الجو لتأسيس بنيتها التحتية وتطورها الاقتصادي في مائتي عام؟
حسابات وملاحظات ربما تساعد القارئ على التفكير في تناقضات ومفارقات تبقي المؤتمرات العالمية حدثاً سنوياً يناقش النظرية وانتظار خطوات واقعية تدخل حيز التطبيق لحل ما يتصوره كثيرون مشكلة يشك آخرون في وجودها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو