فرانسيس سانزارو
TT

عندما يغدو العالم أصغر سنا

أشار باري لوبيز، كاتب الطبيعة الاستثنائي، ذات مرة، إلى أنه من أول الأشياء التي فعلها عند وصوله إلى مكان جديد غني بالمناظر الطبيعية كان خلع حذائه والمشي. لكن لوبيز لم يسِر بالطريقة التي يسير بها غالبيتنا. فقد وضع كتب الطيور في حقيبته، وسار ممشوق الجسد. وعندما شعر بالأوساخ تتجمع تحت أصابع قدميه، مرر أصابعه على الندى الذي غطى أوراق الشجر على الأرض، وصوب نظراته على النباتات التي تنمو في الأركان، وتأمّل زقزقة الطيور قبل أن يحل الغروب بعد أن غطى الطين أنفه.
أثبتت الدراسة تلو الأخرى ما نشعر به بشكل حدسي في أمعائنا: المشي مفيد لنا؛ مفيد لمفاصلنا وعضلاتنا ويساعد في تخفيف التوتر والقلق والاكتئاب، ويساعد في تنمية الإبداع، ويبطئ من ظهور الشيخوخة. ربما، وبكل تأكيد، يجعلنا نبعد شاشات هواتفنا عن وجوهنا. وقد وصف شين أومارا، أستاذ أبحاث الدماغ التجريبية في جامعة دبلن، المشي بأنه «قوة خارقة»، مؤكداً أن المشي وحده يفتح أماكن في أدمغتنا تجعلنا نشعر بالسعادة والصحة.
ليس لديّ مشكلة مع أي من هذه الأشياء، لكنني أعتقد أننا تعاملنا مع ذلك بطريقة معاكسة: نحن نسأل عما يمكن أن نخرج به من المشي، بدلاً من السؤال عما يمكن أن يخرجه المشي منا. قد يبدو هذا فارقاً بسيطاً، فقط مسألة دلالات. لكن عندما نبدأ في التفكير بالمشي بالمعنى الثاني (ما يخرجه المشي منا)، فإننا نغير الطريقة التي نتنقل بها ونختبر بها الأشياء - نختبر العالم والأشياء من حولنا.
لفهم الفرق بينهما، فإننا نحتاج لأن نسأل عن مزيد مما أوضحه لوبيز وهو الغرض من كل هذه المدخلات الحسية. فقد كتب في مقالته «الغرض من الانتباه لما حولنا هو اكتساب الحميمية، وعدم التفكير في الافتراض»، وكان ذلك ضمن مقال نشره بعنوان «أدبيات المكان».
عندما قرأت السطر السابق لأول مرة، بصراحة، لم أفهمه. ما العلاقة بين الحميمية والافتراض؟ وما علاقة المشي بالحميمية؟ وماذا يعني «الافتراض» هنا؟
للتو فتحت القاموس وبحثت عن كلمة افتراض - assumption، ووجدتها تعني أيضاً تولي مهمة جديدة، أو تولي زمام أمور ما، ذلك غير معنى افتراض شيء ما. عندما تقلب كلمة «افتراض» على الوجه الآخر ستجد معاني مثل «الملكية» (بكسر الميم)، والمسؤولية، وحيازة شيء ما والحكم على شيء ما.
فهمت حقاً قوة ملاحظة لوبيز عندما كنت على حافة شيء ما أثناء وقوفي على حافة شيء مرتفع. فأنا متسلق ومتزلج وعداء، لكن في كل مرة أخرج فيها، كنت أشعر بشكل غريب بانفصال عن تلك الأماكن التي كنت أتوق إليها. كنت أبحث عنها بحماسة، لكن عندما وصلت، شعرت بأنني غريب عنها، حتى لو كانت في بلدتي أو في مكان ينعم بالسكينة. يبدو أن الجبال فقدت فرحتها، وشعرت بأنني وحيد ويائس بعض الشيء.
وهكذا، حاولت بشتى الطرق إلقاء نفسي في البراري وكنت أركض في أعماق جبال روكي وكنت أصوم على مدار 24 ساعة، وعمدت إلى إرهاق نفسي (وتعاطيت بعض الأدوية التي تغير العقل) لتخفيف قبضة الواقع. كنت أحمل نفسي لأجمل الأماكن على وجه الأرض، فكنت أتسلق الشلالات المتجمدة وأبراج الصحراء النائية. كنت أركض ليلاً وسط الأعاصير، وأخوض وسط البحيرات في منتصف الليل مرتدياً بدلة عيد ميلادي. كنت أبحث وأبحث - عن ماذا، لا أدري - وكنت أفشل وأفشل. كنت عاجزاً عن إزالة الغطاء وتذوق رعشة الطبيعة الغامضة.
قرأت ما كتبه لوبيز واستدعاني لعالمه. لم أكن منتبهاً ولم ألبِّ شروط البرية الخاصة. كنت أحاول فقط انتزاع شيء من البرية لمصلحتي الخاصة، ما يعني أنني لم أكن أرى البرية على الإطلاق. بدأت أتجول في الحي أكثر وأكثر. وبالمقارنة مع تلك الأماكن البرية، فقد كنت أسير على رصيف ذي أشجار مورقة عمرها عشر سنوات، وفوق مربعات أرض متشققة على الرصيف وإلى جواري ممر مائي ينساب في الربيع. وبالفعل حولت ذلك إلى ممارسة للإحساس. استمعت وشعرت وبطريقة رائعة بأن الحي عاد إلى الحياة بطريقة لم تكن موجودة على قمم الجبال أو النهر البري المليء بالأزهار في الوادي. عادت حواسي إلى الحياة بعدما ضمرت، ومعها عاد العالم من حولي.
تجربتي التي نقلتني من البرية الوعرة إلى المناظر الطبيعية الأكثر تواضعاً خارج باب منزلي جاءت مناقضة لتجربة دامت لمئات السنين من الكتابة التقليدية عن الطبيعة.
علمتني نزهاتي أن المشي حقاً هو نظام وفن، وأن الانضباط في إزالة الافتراضات - التفكير في أن شيئاً ما سيكون جميلاً يلحق ضرراً كبيراً بالمكان تماماً مثل التفكير في أنه سيكون قبيحاً. إنه فن الاهتمام. لم تكن هناك لحظة استيقاظ مفاجئة، بل كان هناك نوع من الخبرة يتمتع بها البعض بعدما ينعمون بوقت ممتع يومياً طيلة شهرين، وأخيراً يكتشفون أنهم في حالة حب، ويبتسمون، لكنهم لا يستطيعون تذكر اللحظة الدقيقة التي ولد فيها هذا الحب.
أدركت أن الشيء الجوهري الذي يمنع ارتباطاً أكثر حميمية بالعالم الطبيعي هو المفهوم (المصطلح) - هو المرشحات الغامضة في أذهاننا بيننا وبين العالم، في كل منعطف، في كل ثانية، في كل تفاعل تقريباً. المفاهيم يمكن أن تكون جيدة: نحصل على مفهوم «الخطر المميت» عندما تندفع السيارة نحونا. لكن المفاهيم، وهي أيضاً شكل من أشكال الافتراض، يمكن أن تحيد التجربة لأن الأحاسيس النقية تصبح غير نقية عندما نحكم عليها. المفاهيم هي ما ننشره عندما نسأل عما يمكننا الخروج به من المشي، وليس العكس.
يستخدم الباحثون الذين يدرسون نشاط دماغنا أثناء المشي مصطلح «التلقائية» لوصف كيف يتصرف جسمنا في نزهة. تُعرَّف التلقائية بأنها «قدرة الجهاز العصبي على تنسيق الحركة بنجاح مع استخدام أقل قدر ممكن من موارد التحكم التنفيذي التي تتطلب الانتباه».
يجب أن نستفيد من المشي للتوقف عن التفكير والبدء في القيام بما يطالبنا المشي بالقيام به - الانتباه إلى المكان نفسه. الوصول إلى هذه النقطة يستغرق وقتاً، وانضباطاً، ولكن عندما يحدث ذلك، تتصاعد فقاعات البهجة، «باللمس الغامض والعطاء الذي نعيشه غالباً»، بحسب تعبير روس جاي، الشاعر ومؤلف «كتاب المسرات». فأي مكان يأتي من الحياة التي نمنحها له نحن، من الانتباه له.
عندما أمشي، أقول، «أنا الآن أمشي»، وأقرع جرساً لذهني ليستعد. لا يهم إذا كنت ذاهباً إلى المتجر أو في نزهة غداء لألقي نظرة على شجرة جميلة - أعلم أنني أمشي، أتنفس. أسحب إلى يساري كل شيء يحاول أن يكون بيني وبين العالم. حتى سحق الحصى تحت قدميّ يترك ابتسامة في عيني. تنبعث الأصوات من الآبار التي لا قاع لها. والعالم يصبح أصغر سناً. أرى وأشم وأسمع وأشعر بأشياء لم أشعر بها من قبل.
لا يستطيع الجميع المشي. قد نحرم من هذه القدرة عند الميلاد، أو قد نفقد قدرتنا على الحركة بمرور الوقت. لكن المشي هو في النهاية استعارة للوجود والمكان والزمان، فالاثنان مُنحا لنا. كل منا يمكنه العثور على تلك المنحة.