الصين والمدينون المتعثرون

الصين والمدينون المتعثرون

الثلاثاء - 27 ذو الحجة 1443 هـ - 26 يوليو 2022 مـ رقم العدد [15946]
بيتر كوي
خدمة «نيويورك تايمز»

قدمت البنوك الصينية، خلال العقد الماضي، قروضاً سخية للبلدان الفقيرة ضمن «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الطموحة، عبر المساعي ذات الدوافع السياسية والاقتصادية للمعاونة في بناء الموانئ، وخطوط السكك الحديدية، وشبكات الاتصالات في الخارج. لكن الآن، بعد أن واجه بعض هؤلاء المقترضين صعوبة في سداد الديون المستحقة عليهم، صار الصينيون أقل سخاء. ويزيد عزوفهم عن قبول الخسائر على القروض التي قدموها من تعقيد الجهود الدولية الرامية إلى تخفيف أعباء الديون عن المقترضين المتعثرين في آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللاتينية.
وإليكم السبب في أن هذا أمر سيئ لأكثر من مجرد المقترضين من الصين: فإذا لم يكن من الممكن التوصل إلى صفقات لتخفيف الديون قريباً، فإن المزيد من البلدان سوف تتخلف عن سداد ديونها، وتُصبح حالات التخلف عن السداد مُعدية. وعندما تتوقف دولة واحدة عن الدفع، يبدأ المقرضون في القلق أن الآخرين سوف يحذون حذوها. لذا فهم يحجبون الائتمان عنهم أو يطالبون بأسعار فائدة أعلى كثيراً. كما أن عصبية المقرضين تؤدي إلى التخلف عن سداد الديون الذي يقلقهم. ثم تقع، حتى البلدان الأقوى مالياً، تحت طائلة الشكوك وتسقط مثل الدومينو.
تشكل الحيلولة دون وقوع هذه السلسلة من الأحداث أولوية عُليا بالنسبة لصندوق النقد الدولي ونادي باريس، وهما مجموعة من 22 دولة دائنة تُنسق برامج تخفيف الديون فيما بينها. لقد تعلمت «الخبرات القديمة» كيف جرت الأمور في أزمة ديون أميركا اللاتينية في الثمانينات، والأزمة المالية الآسيوية في 1997 و1998. وإنهم يجلبون هذه التجارب حتى تؤتي ثمارها الآن في ظل الضغط الذي تعاني منه الدول الفقيرة جراء جائحة كوفيد – 19، والغزو الروسي لأوكرانيا، والتضخم، وارتفاع أسعار الفائدة.
لكن الصين تقف على مسافة واحدة. فهي لم تكن جهة إقراض دولية أثناء أزمات الديون السابقة، لذا فإنها تفتقر إلى الخبرة في التعامل مع مشاكل الديون النظامية (خلافاً لمدينين منفردين وقعوا في المتاعب لأسباب خاصة). وقد رفضت بكين الانضمام إلى نادي باريس. لم تتبع أفضل الممارسات في تقديم القروض، وإبقاء شروط القروض سرية، وغض الطرف عن الفساد.
ومن خلال تقديم القروض بلا شروط في البلدان التي تعاني من ضعف أنظمة الحكم، تمكنت الصين من إقصاء الجهات المقرضة في نادي باريس. ومنذ بدأت موجة الإقراض في عام 2008 تقريباً، أصبحت الصين أكبر مقرض ثنائي للبلدان الفقيرة والمتوسطة الدخل.
لكن الآن، بعض المقترضين يتعثرون، جزئياً بسبب الظروف الاقتصادية العالمية، وجزئياً بسبب بعض القروض التي كانت غير حكيمة منذ البداية، فالمقرضون الصينيون يرفضون شطب ما عليهم من ديون. وفي بعض الحالات، يوافقون على قروض جديدة لمساعدة المدينين على المحافظة على مواكبة القروض القديمة، وذلك وفقاً لمختبر «إيد داتا»، مختبر الأبحاث في جامعة ويليام وماري، في فرجينيا. مما يُطلق عليه اصطلاحاً: «ديمومة القروض».
يقول سكوت موريس، الزميل البارز في مركز التنمية العالمية: «هذا أمر جديد تماماً بالنسبة لهم من حيث وقوع نكبات متزامنة في عدد كبير من البلدان. إنهم يكافحون بقوة في الآونة الراهنة».
ويقول صندوق النقد الدولي إن 60 في المائة من البلدان ذات الدخل المنخفض و30 في المائة من بلدان الأسواق الناشئة ذات الأوضاع الأفضل قليلاً تعاني من ضائقة الديون أو على وشك الوقوع فيها، والمعروفة بحالة الإعسار عن سداد الديون. إن إمكانية إقناع حكومة الصين ومقرضيها بقبول الخسائر على القروض المعدومة تُشكل عاملاً مهماً في تحول الضغوط إلى أزمة ديون دولية شاملة من عدمه.
حتى يومنا هذا، لا تتصرف الصين حقاً وكأنها لاعب حقيقي وعالمي ونظامي، كما قال دانييل روزن، الشريك في «روديوم غروب».
جزء من المشكلة أن الصين لا تتحدث بصوت واحد. إذ يدعم بنك الشعب «المركزي» الصيني بعضاً من تدابير تخفيف أعباء الديون، مع الإقرار بأن السعي الدؤوب وراء كل دولار أو يورو أو يوان مستحق للدفع يعكس نظرة سيئة لأمة تطمح أن تكون قائدة للمجتمع الدولي. غير أن المواطنين الصينيين العاديين - الذين تتزعمهم القيادة الصينية في هذه القضية الحساسة - يكرهون فكرة إنقاذ الأجانب حينما يُتوقع منهم سداد كل ما يدينون به.
يعارض قادة بعض أكبر الجهات المقرضة، بما في ذلك «بنك التنمية الصيني» و«بنك التصدير والاستيراد الصيني»، شطب القروض لأنهم يركزون على الضرر الذي يلحق بقوائمهم المالية. وهم يخشون أن يشكل شطب أي دين لدولة واحدة سابقة مُكلفة لهم. والواقع أن مقاومة تحمل الخسائر على القروض جزء لا ينفصل عن النظام، إذ تُعتبر خسارة لأصول الدولة. ويتطلب شطب القروض موافقة مجلس الدولة، أي الهيئة الحكومية الرئيسية الصانعة للسياسات، كما قال جيريمي مارك، الزميل البارز في مجلس الأطلسي.
يقول أليكس هي، الزميل البارز لدى «مركز الحوكمة الدولية الإبداعي» في ووترلو، أونتاريو: «صدرت الصين نموذج الإقراض الذي توجهه الدولة إلى الخارج»، بقدر الافتقار نفسه إلى الشفافية، ومن الإنصاف القول بأنه ليس من السهل على الصين تغيير ذلك». وأضاف قائلاً: «لا أعتقد أنها سوف تتغير».
في البداية، خدم المقرضون الصينيون مصالح الدولة. ووفرت مشاريع «مبادرة الحزام والطريق» العمل لشركات البناء الصينية والشركات المُصنعة التي تُشبع أسواقها المحلية. كما اكتسبت القروض حسن النية من الزعماء الأجانب. لكن الآن، وبعد أن ساءت الأمور بشأن القروض وأصرت الجهات المقرضة على سدادها بالكامل، فإن سمعة الصين صارت تلحقها الأضرار الكثيرة.
والقول بأن المقرضين الصينيين يلعبون بشراسة ليس كمثل القول بأنهم يحاولون دفع المقترضين إلى التخلف عن السداد من أجل الاستيلاء على أصولهم. وخلال إدارة ترمب، اتهمت وزارة الخارجية الأميركية الصين «بدبلوماسية فخ الديون»، مستشهدة بكيفية فقدان سريلانكا السيطرة على ميناء كبير لديها إثر التخلف عن سداد قرض صيني. لكن هذا ليس أسلوب العمل الصيني، كما قال روزن.
وأضاف روزن قائلاً: «تجني أي مؤسسة مالية قدراً من المال عبر استعادة الدين أكبر كثيرا مما لو كان عليها الاستيلاء على أصل من الأصول، وأن تبحث ماذا تفعل به». أما بالنسبة لجيش التحرير الشعبي، فإنه يُفضل التفاوض بشأن الوصول إلى الموانئ مع الحكومات المحلية - كما فعل بنجاح في جيبوتي، في شرق أفريقيا - بدلاً من الحصول عليه عن طريق الرهن.
تتفاوض الصين وفرنسا ودول دائنة أخرى في الوقت الحالي حول تقديم مساعدات لتشاد وإثيوبيا وزامبيا. وسريلانكا أيضاً على القائمة، ومن خلفها باكستان وغيرها من الدول ذات الدخل المتوسط التي تدين بأكثر من الدول الأفريقية الفقيرة. والأمل معقود على التوصل إلى اتفاق ناجح مع زامبيا وغيرها من البلدان الأخرى كنموذج يحتذيه المدينون الآخرون.
لكن حتى الآن، فضلت الصين في كثير من الأحيان التعامل مع مشاكل المدين حالة بحالة، مما يمنحها النفوذ لملاحقة المصالح الضيقة، عوضاً عن تنسيق استراتيجية مع دائنين آخرين، كما قال روزن.
وكلما ساءت مشاكل الديون تزايدت الضغوط التي تُفرض على الصين لحملها على المشاركة الكاملة في هذه المجريات. وفي 13 يوليو (تموز)، كتبت كريستالينا جورجيفا، المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي، تدوينة لم تذكر مباشرة ممارسات القروض الصينية، لكنها كانت على الأرجح موجهة إلى الصين، إذ قالت من بين أمور آخرين: «يتعين على الجهات المقرضة الكبرى، سواء السيادية أو الخاصة، الرقي لمستوى الأحداث والاضطلاع بدورها. فالوقت ليس في صالحنا تماماً».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو