هال براندز
كاتب رأي من خدمة «بلومبيرغ» وأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة «جونز هوبكنز» الأميركية
TT

حرب طويلة في أوكرانيا يمكن أن تجلب فوضى عالمية

باتت الحرب في أوكرانيا أشبه بسباق استنزاف قاسٍ وطاحن. فمع استمرار الصراع أثير التساؤل: هل الوقت في صالح روسيا أم أوكرانيا؟ تراهن كييف على أن نفوذها سيزداد مع مواجهة روسيا المعزولة التي تواجه دماراً اقتصادياً وعسكرياً، ويكمن رهان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قدرته على تدمير أوكرانيا حتى مع وجود جيش ضعيف، بينما يستخدم تهديد الفوضى الاقتصادية العالمية لقطع شريان الحياة الذي يربط كييف بالعالم الخارجي. ويحاول كل جانب أن يستنزف ويضرب الآخر ليخضعه، وهي ديناميكية من شأنها أن تغذي عدم الاستقرار البعيد المدى، وتضع الولايات المتحدة أمام تحديات سيئة.
في الأسابيع الأخيرة، اندلع القتال بشكل أكبر في شرق أوكرانيا؛ حيث استخدمت روسيا قذائف مدفعية عنيفة، وهجمات منهجية للاستيلاء ببطء على مزيد من الأراضي، على أمل «التحرير» الكامل لمنطقة دونباس. ولا تزال أوكرانيا معلقة، وتسببت في خسائر فادحة في حين أنها تعاني أيضاً من خسائر فادحة باعتراف الرئيس فولوديمير زيلينسكي نفسه.
على الرغم من المكاسب الإقليمية الروسية، فلا يزال لدى أوكرانيا سبب للتفاؤل؛ إذ تزداد قوتها العسكرية في عديد من النواحي المهمة. فكييف تتلقى مدفعية بعيدة المدى وأسلحة متطورة أخرى من الدول الغربية، كما تعمل بعض أفضل أجهزة الاستخبارات في العالم بشكل فعال لصالح كييف؛ حيث توفر المعلومات التي تساعد القادة العسكريين الأوكرانيين على توقع ضربات العدو، وإفشال كثير منها.
في المقابل، من المحتمل أن تتلاشى القوة العسكرية الروسية في حرب طويلة؛ لأن الاقتصاد الروسي وصناعة الدفاع يخضعان لعقوبات قاسية، وستتلاشى الروح المعنوية لقواتها مع ازدياد الخسائر. وما دامت أوكرانيا تتمتع بمساندة غالبية دول العالم الديمقراطية المتقدمة، فيمكنها أن تأمل وبصورة معقولة في إضعاف الجيش الروسي وتحطيمه في نهاية المطاف، ومن ثم استعادة بعض الأراضي التي اختطفتها موسكو.
ورغم ذلك، هناك محاذير جوهرية، أحدها التهديد بـ«إجهاد زيلينسكي»، الخطر المتمثل في أن الزعماء الغربيين سوف ينهكون من طلبات كييف للمال والسلاح، في وقت تضعف فيه اقتصاداتهم وتستنفد ترساناتهم الخاصة. وقد أثارت حزمة الدعم الأميركية الأخيرة البالغة 40 مليار دولار لأوكرانيا انتقادات الجمهوريين على هذه الأسس. وإذا استمرت تكاليف الحرب في الارتفاع، وإذا استمر زيلينسكي في الإصرار على أن أوكرانيا ستحرر كل الأراضي التي احتلتها روسيا منذ عام 2014، فقد يرى داعموه الأجانب أنه ليس مصدر إلهام؛ بل يرونه عبئاً.
سوف يتفاعل هذا الاحتمال مع استراتيجية بوتين التي تتضمن رفع العقوبات، بينما تحول أوكرانيا إلى منطقة كوارث. ومن شأن الحصار المفروض على مواني أوكرانيا على البحر الأسود، وخصوصاً أوديسا، أن يجعل من الصعب للغاية تصدير القمح والسلع الأخرى. وقد أدت المعاملة الوحشية المستمرة للبلاد إلى انكماش اقتصادي كارثي. قد لا تكون روسيا قادرة على هزيمة أوكرانيا عسكرياً؛ لكنها يمكن أن تدمر الاقتصاد وتجبر كييف على الضغط على مؤيديها الدوليين بمطالب هائلة لسنوات قادمة.
علاوة على ذلك، يستخدم بوتين احتمالية حدوث مذبحة اقتصادية عالمية كوسيلة للإكراه الجيوسياسي. إذا لم تستطع أوكرانيا تصدير القمح، فسوف تعاني البلدان في جميع أنحاء العالم، وسيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تفاقم ضغوط الركود في الاقتصادات المتقدمة والنامية على حد سواء. ومن خلال التسبب في إلحاق ألم كافٍ بالآخرين، ربما يستطيع بوتين إبعاد الأعضاء المترددين، مثل ألمانيا، عن التحالف الديمقراطي، وجعل أوكرانيا تتوسل من أجل السلام. كما يمكن للفوضى العالمية أن تساعد بوتين بطرق أخرى أيضاً؛ فكلما طال أمد الحرب، زادت فرصة قيام أزمة كبيرة بشأن إيران أو تايوان بجذب انتباه الولايات المتحدة إلى مكان آخر.
في الواقع، سواء نجحت هذه الاستراتيجية أم لا، فإنها ستختبر واشنطن. ورداً على حملة الخنق الاقتصادي لموسكو، يمكن للولايات المتحدة استخدام أصول الدولة الروسية التي جمدتها للحفاظ على أوكرانيا وإعادة بنائها. ومع ذلك، فإن هذا من شأنه أن يزيد بشكل لا مفر منه من المخاوف العالمية بشأن تسليح الهيمنة المالية الأميركية. ويمكن أن تحاول الولايات المتحدة قلب الطاولة على بوتين من خلال تصعيد الإكراه الاقتصادي لروسيا. لكن هذا قد يتطلب على الأرجح استخداماً أكبر للعقوبات الثانوية (معاقبة الأطراف الثالثة التي تتعامل مع موسكو) الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى احتكاك أكبر مع البلدان التي تعتمد على النفط الروسي أو الصادرات الأخرى.
قد تكون مسألة استعادة قدرة أوكرانيا على التصدير (خصوصاً القمح) إلى العالم هي الأكثر حساسية. ويعتبر هذا أمراً بالغ الأهمية، لتخفيف الصدمات الاقتصادية التي تسببت فيها الحرب. ومع ذلك، قد يتطلب الأمر اتخاذ خطوات مثل مرافقة السفن الأوكرانية، أو «إعادة وضع علامة» عليها على أنها أميركية، أو فتح ممر بري أو بحري آمن بالقوة، وهي الإجراءات التي من شأنها أن تضع القوة الأميركية في قلب حرب مستمرة.
وبدلاً عن أن تهدف في المقام الأول إلى ردع روسيا عن مهاجمة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ستحاول الولايات المتحدة بعد ذلك إجبار روسيا على التوقف عن إعاقة تجارة أوكرانيا مع العالم. وقد يؤدي هذا إلى لحظة محفوفة بالمخاطر؛ حيث إن النجاح في تخفيف الضغط الاقتصادي الروسي قد يتطور إلى فشل في استراتيجية بوتين لكسب الحرب.
ربما يبدو أن الصراع في أوكرانيا قد وصل واستقر عند درجة توازن عنيف؛ لكن الاضطرابات الناجمة عن الحرب والمعضلات العالمية التي تطرحها قد بدأت للتو.
* أستاذ بمركز «هنري كيسنجر للشؤون الدولية» التابع لجامعة «جونز هوبكنز»، وزميل «مركز التقييمات الاستراتيجية والميزانية». أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان «الاستراتيجية الأميركية الكبرى في عصر ترمب».

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»