العراق و«داعش».. من يحسد من؟

العراق و«داعش».. من يحسد من؟

الجمعة - 27 رجب 1436 هـ - 15 مايو 2015 مـ رقم العدد [13317]
وفيق السامرائي
ضابط متقاعد وخبير استراتيجيّ عراقيّ
بعد أكثر من 33 عامًا، دعوني (لطفًا) أن أقر لكم بأن العراق قد مني في عمليات دزفول - الشوش، وعمليات عبور القوات الإيرانية لنهر الكارون، وإجبار القوات العراقية على الانسحاب إلى خط الحدود، بهزيمتين شنيعتين، بينما كانت تقارير الاستخبارات قد أعطت صورة مسبقة (دقيقة للغاية) عن النيات والقوات والخطط الإيرانية. مع ذلك، حقق الإيرانيون نصرًا ساحقًا في هاتين العمليتين الكبيرتين، وقد أعدم صدام عددًا من كبار القادة في حينه. غير أن الجبهة الداخلية بقيت متماسكة، لمجموعة عوامل؛ منها قوة النظام والاستبداد والشعور العام، ولم يتمكن أحد من السياسيين من التصريح بكلمة واحدة لا تأييدًا ولا معارضة. ومن عاش تلك الظروف الصعبة لا يمكن أن تهتز أمامه صورة العراق أمام مجموعات مسلحة وفئات سياسية ضالة ومجموعات حرامية من بعض المسؤولين، ولكن.
حقيقة الحال، لم تعد الحرب بين العراق و«داعش»، الذي تعددت ذيوله بشكل مثير ويلعبون على المكشوف، فالحرب أخذت أبعادًا أخرى خطيرة. والذين ركبوا موجة التمهيد لدخول «داعش» إلى الفلوجة قبل 17 شهرًا، وإلى الموصل وتكريت وأطراف بغداد قبل 11 شهرًا، عادوا مرة أخرى بثوب جديد تحت لواء التصدي للإرهاب، وهو لواء رديف لـ«داعش»، أو يمثل صفحة أخرى من صفحات الحرب، وتستقبلهم واشنطن بصفة وأخرى! والذين غدروا بالمناطق المبتلاة باحتلال «داعش»، لا يزالون يحظون بدعم محلي وتسهيلات من رئاسة إقليم كردستان، ويتنقلون بين العواصم بجوازات سفر عراقية وغير عراقية، بينما صدرت أحكام إعدام بعشرات أو مئات من رفاقهم في مصر، والمؤسسات العراقية مغلولة اليدين إلى درجة تدعو إلى الأسى.
وفي حالة لا مثيل لها في كل دول العالم، يتمتع «داعش» بمؤيدين بواجهات مختلفة وبطرق متعددة، لا تقل خطورة عن مجموعاته القتالية، ومنهم نواب في البرلمان أجادوا استخدام الإعلام لشن حرب نفسية على القوات المشتركة وفلسفة العلاقة بين فروعها، ونجحوا فعلاً في إحداث صدمة غيرت معادلات نصر كبير إلى حالة مهارشة وانكفاء في حالات أخرى. وتتلاحم العلاقات بين ذيول «داعش» وتأخذ أبعادًا فنية ليغطي بعضهم نشاطات وخطايا ومخالفات الآخر. ومن بين أعضاء الحكومة والبرلمان وبعض الوزارات السيادية يجري تقديم التسهيلات بشكل مفضوح ومثير، لتصل في المحصلة إلى صوب «داعش».
وبينما يواصل رئيس إقليم كردستان جهوده للتسويق للانفصال عن العراق، رغم تعقيدات الحدود وغيرها من المعضلات، تعمل أطراف أخرى تحمل هوية عرب العراق على بدء المراحل الأولى لتكوين مطالب الانفصال، ابتداءً بمطلب أقاليم إدارية، ثم يجري التوسع بالمطالب لتكوين حرس خاص بكل منطقة، وهكذا يتفتت العراق ويجري إفراغ حمم حروب ستمتد لعشرات السنين، وإلا ما الفرق بين المحافظة والإقليم الإداري؟ ففي الحالتين، الحرامية يعبثون بالموازنات تحت عين الرقيب وبغياب الحساب بسبب المعادلات السياسية وشراكة النهب العام، عدا بعض الذين كتب الله لهم النزاهة على قلتهم. فمن يحسد من؟
المنطقة الرخوة في العراق ليست أرضا بمفهومها المجرد، بل هي فلسفة نظام حكم فاشلة بنيت وفق دستور يمكن تحريفه وتصريفه، فالحكم مقيد بما يسمى اتفاقات الشراكة واتفاقات تشكيل الحكومة، وكأن المتحدثين لم يخالفوا أهم نصوص الكتب السماوية، خصوصًا في المال الحرام، واستغلال المواقع على حساب لقمة عيش الفقراء ودواء المرضى وحاجات المعوزين.
المنطقة الرخوة تتمثل بتآمر الأقربين بعضهم على بعض من أجل القفز إلى موقع أعلى، فضعفت قدرة أصحاب القرار على اتخاذ القرارات الحاسمة في وقت الحرب، التي يتوقف النجاح فيها على القرارات الحاسمة في الوقت والمكان اللذين يتطلبان اتخاذ قرارات الردع. وإذا ما اتخذ القائد المعني قرارات الردع يشهر عليه سيف الاعتراض المراد له الإسهام في تقسيم كعكة العراق المحرم طعمها على الفقراء، الذين لهم حصة الفقر ولغيرهم ثروات العراق، لكن الله ذو انتقام على أمل أن يطبق الانتقام في الدنيا ليكونوا عبرة للناس.
غير أن من حق «داعش» أن يحسدوا العراق على وجود ملايين العراقيين من المصممين على الدفاع عن بلدهم وتحقيق النصر وإعادة توحيد بلدهم وفرض هيبته ولو بعد حين، وللأمهات العراقيات فضل عظيم على بلدهن، فلولا شحنهن المعنوي لأبنائهن ما بقي العراق، غير أن المؤسسات العراقية لم تصل إلى مستوى تكريم الأمهات.

التعليقات

امير
البلد: 
العراق
15/05/2015 - 03:16

لقد وضعت على جراح حقيقية استاذنا الغالي فعلا هذه هي حقيقة البلد والحال لا تقوم الا بثورة شعبية عارمة ومن المؤكد لا يليق هذا لامريكا لان لو نجحت الثورة ومقوماتها موجوده ولا اقصد انقلاب لان الانقلاب لا ينجح بشكل مؤكد ولكن الثورة ممكنه النجاح تطيح بكل هذا النظام المتهرء والغاء الدستور بالكامل واعادة كتابته واقامة انتخابات على اسس مختلفة من الاساس ولكن يجب ان تكون صادقة لا كالانقلابات التي تسمي انفسها ثورات لان الحال هو الحال ولم يتغير شيء ان حصل الوضع على ما سبق من تاريخ العراق

جميل السوداني
البلد: 
العراق
15/05/2015 - 08:51

السيد الفريق وفيق السامرائي ارجو ان تتقبل تحياتي وأنا أوافقك الرأي تماما فيما ذهبت إليه بخصوص الانكسارات التي لحقت بالجيش العراقي في معركة ديزفول ونهر الكارون وحتى معركة عبدان ومعارك أخرى لا أتذكرها لكنك تشاطرني الرأي أن معركة الأمس ليست كمعركة اليوم، قد تكون الأدوات المحركة والمنفذة تتشابه في بعض الأحيان من حيث أن المؤسسة العسكرية التي فككت من قبل الاحتلال قد يكون أغلبها الآن مع داعش أو متعاطف مع داعش وأن الذي يقود المشروع السياسي في العراق مدعوما الآن من عدو الأمس الذي هو إيران ولكن في كل الأحوال معركة الأمس تختلف في مقاييسها عن معركة اليوم من حيث شكل المعركة، إذا كانت تدار الحرب وفق منطق دولة تواجه دولة وتعتمد فكرة حرب الاستنزاف الطويلة والحرب النفسية وفلسفة تحريك القطع والتسليح وإدارة الاقتصاد والحرب النفسية والحرب السياسية وتهيئة الجماهير وفق منطق الشعور الوطني والقومي، أما الآن الأمر مختلف تماما وأظن أن هذه الحرب ليس لها نتائج حاسمه على المدى المنظور وذلك لغياب الحل وأن الحل يبدأ متى ما ظهر مجموعة من السياسيين الذين يؤمنون حقا بالعراق الواحد وأن مبدأ الكفاءة والمواطنة هو الذي يجب أن يسود، وهذا ما نفتقده الآن، بالإضافة إلى توفر رغبة إقليمية ودولية على لملمة الوضع داخل العراق وظهور وعي شعبي وجماهيري بحتمية التعايش السلمي مع كل الأطراف. وهذا ما أتمناه أخيرا ارجو ان تتقبل تحياتي واهنئك على مواقفك الوطنية.

رياض حسن صالح الظالمي(السماوه)
البلد: 
iraq
15/05/2015 - 11:50

ترى هل نفذ العراق من العظماء الذين يفكرون بحل منطقي لحل هذه المشكلة التي مزقت وارهقت واستنزفت البلد.ام ان الادوات لذلك لازالت قليلة.العراق يحتاج الى قائد صاحب نظرة شمولية وقوي ارادة وبطل لايهاب احد .بالتوفيق استاذنا الغالي...

kodher
البلد: 
IRaq
16/05/2015 - 05:00

استاذي العزيز مبدع في كل مرة في مايجري وتحليله بصورة دقيقة
ولكن في ما مضى من الزمان عندما تصل الامور الى النقطة الحرجة
يتدخل الجيش ليصوب الامور وبغض النظر عن الطريقة ولكن الامور
بعد حين تعود الى مسارها الصحيح . ترى الان من الذي بيده تلك
السطوة للتغيير؟ لا احد . ونبقى ننتظر حلا من الاخ الاكبر دائما...

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة