دخلت أحد أشهر المطاعم الشعبية في الكويت. طلبت، انتظرت، ثم وصل الطلب «السفري». ناولني الطعام، ذلك الرجل السبعيني، وهو ينظر ملياً نحو ما كنت أحمله، فقال بنبرة لبنانية: «يا ابنى إذا لساتك ما زلت تحمل كتابك فالدنيا بخير.. لا توقف قراءة»! أثلج صدري هذا التعليق لسببين، وهو أن هناك من لا يزال يقدّر «الكتاب»، ثانياً أن هذا الرجل رغم انشغاله كان بوسعه أن يدعم فعل القراءة بكلمة طيبة، لكن صداها قد تردد في نفسي طوال الأسبوع.
العم علي التونسي صاحب مطعم في جزيرة جربة التونسية وجد طريقة أخرى لدعم الكتاب، فصار يقدم «ساندويش» مجانياً لمن يقرأ كتاباً أو قصة. وضع أمام الأطفال كتباً قصيرة وصار يكافئ من يلخص ما قرأ. وقال حرفياً للمراسل الصحافي «لا تقل القراءة أهمية عن الطعام بالنسبة لي، وتراجع الاهتمام بها في زمن التواصل الاجتماعي أمر محزن جداً». هو باختصار يحاول «إعادة روح الشغف بالكتاب». كما ذكر موقع «الجزيرة»
في أقاصي جنوب أميركا كان هناك مشروع يقلص مدة المحكومية للسجناء الذين يقرأون كتباً أكثر ومثلها فعلت بعض الدول العربية لمن يحفظ كتاب الله. والمفارقة أن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم هي «اقرأ» من أصل 77437 كلمة. انتقاء هذه الكلمة له معانٍ عميقة. ولم تكفِ جهود المثقفين والأدباء والمصلحين في الإشارة إلى أهمية الكتاب الذي ينير بصائرنا، ويوسع مدركاتنا، «ويجود بياننا»، ويرتب أفكارنا ويهبنا طاقة هائلة لتقبل الرأي الآخر لأننا حتماً سنجد معيناً لا ينضب من مخزون القراءة للرد عليه.
الدراسات العلمية في عام 2001 كذلك أظهرت بأن القراءة تزيد المعرفة العامة بمقدار ما يقرأ المرء. غير أن اللافت في هذه الدراسة التي نشرت في دورية «التوجيه المباشر» JDI، تتمثل في أن من بنوا معرفتهم من خلال القراءة، كان لديهم «إدراك أعمق وأدق للعالم من حولهم، مقارنة بأولئك الذين بنوا معرفتهم من مشاهدة التلفزيون، بل في الواقع، تناسبت مشاهدة التلفزيون عكسياً مع ازدياد المعرفة. أما علماء في جامعة أدنبره وكلية كينغز لندن، فقد جاءوا بدراسة لطيفة ولافتة عام 2014 حيث تبين في اختبارات أجريت على التوائم لمدة عشر سنوات، أن الشقيق الذي تخطى شقيقه بكمية القراءة، تفوق بصورة ملحوظة في اختبارات الذكاء العقلي، وتفوق في اختبارات الذكاء غير اللفظية أيضاً، كالمنطق والاستنتاج، حسبما نشر في مجلة «جمعية تطور الطفل» البريطانية SRCDJ.
والجميل هو أن القراءة «أفضل وسائل الاسترخاء علمياً»، فبعد أن حاول مركز دراسات العقل التابع لجامعة ساسكس البريطانية، استعادة الهدوء للمشاركين، بعد تعرضهم لاختبارات بدنية وذهنية، جاءت القراءة على رأس قائمة الاسترخاء، ثم حلّ بعدها الاستماع إلى الموسيقى، وتناول فنجان من الشاي أو القهوة، أو تمضية بعض الوقت في نزهة.
تغير الكتاب من صيغته الورقية الشعبية إلى إلكترونية لكنه لا يبدو أنه سيزول من الوجود ما دام ينطبق عليه قول الجاحظ: «إن الكتاب إن نظرت فيه، أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوّد بيانك، وفخّم ألفاظك، وبجَّح نفسك، وعمّر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك...».
8:20 دقيقه
TT
الكتاب... الاختراع الخالد
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
