قصة تسجيل الدرعية في قائمة التراث العالمي

قصة تسجيل الدرعية في قائمة التراث العالمي

الثلاثاء - 2 رجب 1436 هـ - 21 أبريل 2015 مـ رقم العدد [13293]
د. علي إبراهيم الغبان
* نائب رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار، والمشرف على برنامج العناية بالتراث الحضاري للسعودية

في عام 1427هـ قدمت الهيئة العامة للسياحة والآثار إلى مركز التراث العالمي باليونيسكو ملف ترشيح الدرعية التاريخية للتسجيل كموقع تراث عالمي، وبررت طلبها بتوفر معايير الأصالة والتكامل والحفظ المميز لآثار الموقع ووجود قيمة استثنائية عالمية في آثار الدرعية تسمح باعتبارها تراثًا عالميًا يضاف إلى المواقع السبعمائة التي اعترف بها العالم تراثًا ثقافيًا لكل الإنسانية.
وكما هو متبع، أُحيل ملف ترشيح الدرعية للتقييم من قبل الإيكوموس الدولي «المجلس الدولي لخبراء المحافظة على المواقع الأثرية»، وهو الذراع التقني لليونيسكو في مجال التراث الثقافي، وجاء تقييم الإيكوموس معترفاً بأهمية موقع الدرعية الأثري وقيمته الثقافية الاستثنائية العالمية باعتباره نموذجًا فريدًا أصيلاً ومتكاملاً للعمارة الطينية في قلب الجزيرة العربية، وصورة مثلى لتكيف الإنسان مع بيئته المحيطة والمحافظة عليها والاستثمار الأمثل للموارد المائية والرقعة الزراعية المحدودة على ضفاف وادي حنيفة وتحويلها إلى واحة غنّاء في وسط الصحراء، وفوق هذا وذاك كون الدرعية مركز إشعاع ثقافي عالمي انطلقت منها في وقت حرج الدعوة الإصلاحية التي توحدت عليها أرجاء الجزيرة العربية تحت لواء الدولة السعودية الأولى التي كانت الدرعية عاصمة لها، وامتد فكرها إلى خارج الجزيرة العربية حتى وصل أجزاء من بلاد المغرب العربي.
غير أن الإيكوموس أوصت في تقييمها المرفوع لليونيسكو بالتريث في تسجيل الدرعية في قائمة التراث العالمي بحجة أن الموقع يحتاج إلى كثير من العمل لتأهيله والمحافظة على مكوناته وجعله قابلاً للزيارة، وحتى لا يكون عبئًا إضافيًا على القائمة العالمية التي تزدحم بالمواقع المسجلة من دول العالم الثالث والتي لا تنال اهتمامًا كبيرًا من دولها بسبب عدم توفر الموارد والرغبة والعزيمة الصادقة.
غير أن الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار إيمانًا منه بقوة معطياتنا في هذا الموضوع، وجه الفريق السعودي الذي يعمل على ملف الدرعية بالمضي قدمًا في طرح الملف على لجنة التراث العالمي باليونيسكو صاحبة القرار في التسجيل من عدمه وهي مكونة من 22 دولة، وتقديم دفاع قوي يعتمد على أن المملكة العربية السعودية، بما يتوفر لديها من إمكانات وموارد وعزيمة قوية ومصداقية دولية، ملتزمة بتنفيذ خطة تأهيل وتطوير الدرعية التي قدمتها لليونيسكو في ملف الترشيح، وأن ذلك سوف يتم بعون الله وتوفيقه في زمن قياسي، وأن مشروع الدرعية يحظى بدعم ورعاية ومتابعة مباشرة من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز - أمير منطقة الرياض آنذاك - الذي يرأس لجنة عليا لهذا الغرض بدأت أعمالها منذ زمن طويل، وأن المملكة العربية السعودية ستجعل من الدرعية التاريخية موقع تراث عالمي تستفيد منه اليونيسكو في تطوير الخبرات للتعامل مع صيانة وترميم وتأهيل المباني الطينية المماثلة لها في بقية أنحاء العالم، وهذا ما تم بالفعل؛ فقد طرح الملف على اللجنة الدولية في دورتها الرابعة والثلاثين التي عقدت في البرازيل، وكنا نتوقع أن يمر بالتصويت وإذا به يقبل بالإجماع دون الحاجة إلى التصويت.
إن المصداقية الدولية للمملكة العربية السعودية لعبت دورًا حاسمًا في تسجيل الدرعية كتراث إنساني فضلاً عن تميز تراثها الثقافي والدور التاريخي المهم الذي لعبته في الماضي والاستمرارية القائمة لهذا الدور في الوقت الحاضر ممثلاً في الدولة السعودية الحديثة التي أسسها المغفور له بإذن الله الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود طيب الله ثراه.
كما أن تشريف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفل افتتاح المرحلة الأولى من مشروع الدرعية التاريخية مساء يوم الخميس الموافق 20 / 6 / 1436هـ، على الرغم من الظروف التي تمر بها البلاد، يبعث برسائل مهمة للعالم عن اهتمام المملكة واعتزازها بتراثها الحضاري، وعملها المتزايد للمحافظة عليه وتأهيله وتنميته ثقافيًا واقتصاديًا، كما يرسل رسالة خاصة لليونيسكو عن وفاء المملكة بما التزمت به في ملف ترشيح الدرعية وأن هذه البلاد قول وفعل، ومن شأن ذلك أن يكون معينًا في تسجيل المزيد من مواقع التراث الثقافي السعودي في قائمة التراث العالمي، خصوصا أن المملكة قدمت مؤخرًا قائمة أولية بعشرة مواقع ترغب في تسجيلها لدى اليونيسكو كتراث عالمي وهي تتوزع على جميع مناطق المملكة.


* نائب رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار - المشرف على مسار التراث الوطني


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو