جيسي بلوم وسارة كوبي
TT

مرشد العلماء لفهم «أوميكرون»

من المقرر أن يتبادل عدد من العلماء من مختلف أرجاء العالم خلال الأيام والأسابيع المقبلة معلومات مبكرة حول المتحور الجديد من فيروس «سارس - كوف - 2» الذي أطلق عليه «أوميكرون». من ناحيتنا، نحن باحثان يدرسان تطور الفيروسات، وسنعمل على مراقبة البيانات عن قرب لدى نشرها وإتاحتها على الصعيد العام. وستتنوع جهود البحث الجديدة تلك ما بين الدراسات المختبرية التي تبحث في كيفية تفاعل الفيروس مع الأجسام المضادة وملاحظات مرتبطة بالنتائج التي تحققت مع المرضى، وصولاً إلى بيانات واسعة النطاق حول العدوى والاستشفاء. وستحاول البيانات الإجابة عن ثلاثة أسئلة أساسية، تتميز جميعها بالأهمية من أجل فهم مخاطر «أوميكرون».
بوجه عام، يحوي «أوميكرون» العديد من الطفرات، خاصة فيما يعرف ببروتين السنبلة الذي يعد الهدف الرئيسي للأجسام المضادة الناتجة من التطعيم والعدوى السابقة. ويعد هذا السبب وراء شعور العلماء بالقلق إزاء إمكانية فراره من الدفاعات التي تبنيها اللقاحات أو الإصابة بـ«كوفيد - 19».
وكشفت التجارب المعملية بالفعل، عن أن «أوميكرون» لديه طفرات تقلل من قدرة الأجسام المضادة على منع العدوى بنحو 20 إلى 40 ضعفاً.
وثمة أدلة قوية تشير إلى أن هذه المقاومة المتزايدة للأجسام المضادة لـ«أوميكرون» ستؤدي إلى زيادة معدلات العدوى بين الملقحين والمصابين سابقاً. وخلصت دراسة من جنوب أفريقيا إلى أن معدل إصابة الأشخاص للمرة الثانية بـ«أوميكرون» أعلى من الموجات السابقة التي سببتها متغيرات «بيتا» و«دلتا».
أيضاً، تسبب «أوميكرون» في حدوث بعض الالتهابات من خفيفة إلى متوسطة لدى الأفراد الذين جرى تطعيمهم وتلقوا جرعة معززة. ويقدر تقرير صدر في مرحلة مبكرة في بريطانيا، أن فاعلية اللقاح ضد المرض وأعراضه في مواجهة «أوميكرون» تقل عنها أمام «دلتا».
وتشير هذه النتائج المبكرة إلى أن اللقاحات قد لا تحمي كذلك من العدوى كما كانت في السابق. وهناك احتمال أن تكون هناك حاجة إلى جرعات معززة خاصة بـ«أوميكرون» في المستقبل.
والسؤال الآن: هل ستظل المناعة التي لدينا قادرة على حمايتنا من المرض الشديد؟
حتى إذا فشلت بعض الأجسام المضادة في منع العدوى بـ«أوميكرون» ، فإن الخلايا التائية والأجسام المضادة الأخرى التي جرى تطويرها من التطعيم أو العدوى قد توفر بعض الحماية ضد المرض الشديد. بعبارة أخرى، قد لا تتبع الوفيات والاستشفاء أعداد حالات الإصابة عن قرب مثلما حدث في موجات الوباء السابقة. ويتطلب قياس ذلك الاطلاع على بيانات من العيادات والمستشفيات والدراسات الوبائية التي تتبع العدوى والأعراض لدى الأشخاص بمرور الوقت. وبطبيعة الحال، تستغرق مثل هذه الدراسات وقتاً أطول عن التجارب التي تجري داخل المختبرات.
تجدر الإشارة هنا إلى أن ظهور الأعراض الحادة للإصابة بـ«أوميكرون» عادة ما تستغرق أسابيع عدة؛ ولهذا يطلق العلماء على الوفيات والاستشفاء «مؤشراً متأخراً». وعليه، في حين أنه من الجيد أن نتحلى بالتفاؤل عندما نسمع تقارير شفهية مبكرة عن أن الأشخاص الذين جرى تطعيمهم يعانون من أعراض خفيفة فقط، علينا أن نضع في اعتبارنا أن الأمر سيستغرق وقتاً أطول للحصول على بيانات موثوقة حول شدة المرض بشكل عام.
على سبيل المثال، من الممكن أن يتسبب «أوميكرون» في حدوث مرض بأعراض أخف وطأة لدى الأشخاص الذين سبق تطعيمهم أو أصيبوا بالعدوى، لكنه يسبب مرضاً شديداً لدى الأشخاص الذين ليس لديهم مناعة. وبطبيعة الحال، سيكون لهذا الأمر تداعيات فيما يخص العبء الذي قد يقع على كاهل المستشفيات.
هل «أوميكرون» معدٍ أكثر من «دلتا»؟
نحن على يقين اليوم أن «أوميكرون» ينتقل بشكل سريع؛ لأنه يسبب عدداً متزايداً من الحالات في الكثير من الدول. وهناك عاملان يمكن أن يسهما في ذلك: قد يكون لـ«أوميكرون» قدرة قوية على إصابة الأشخاص الذين ليس لديهم مناعة، وربما تكون لديه قدرة متزايدة على إصابة الأشخاص الذين لديهم مناعة سابقة من التطعيمات أو العدوى السابقة.
وسيحدد التوازن بين هذين العاملين ما إذا كان «أوميكرون» أكثر قابلية للانتقال من «دلتا» بين جميع فئات السكان، أو فقط في أماكن معينة مثل جنوب أفريقيا ودول أخرى، حيث تتوافر الكثير من المناعة من الأشخاص المصابين سابقاً. ومن أجل التوصل لفهم قابلية انتقال «أوميكرون» على نحو أفضل، سيحتاج العلماء إلى قياس معدل نموه بالنسبة إلى المتغيرات الأخرى بين مجموعات مختلفة من الناس. ويمكن أن تسهم الإجابة عن هذا السؤال في التنبؤ بتوقيت الزيادات المحتملة في حالات الإصابة التي يجري احتجازها بالمستشفيات.
والآن، ماذا ستخبرنا الإجابات؟
ثمة عدد قليل من السيناريوهات المختلفة لـ«أوميكرون». يشير أحد هذه السيناريوهات إلى أن «أوميكرون» قابل للانتقال إلى درجة أنه ينتشر في جميع أنحاء العالم ويتفوق على جميع المتحورات الأخرى، بما في ذلك «دلتا»، بحيث من الواضح أن جميع الفيروسات الجديدة في المستقبل ستنحدر من «أوميكرون». وقد حدث هذا السيناريو بالفعل في منتصف عام 2020 مع متغير أطلق عليه «دي 614 جي» (وكان هذا قبل إطلاق أسماء يونانية على المتحورات) والذي تتحدر منه جميع التحورات اللاحقة.
ويتمثل سيناريو محتمل آخر في أن «أوميكرون» سينتشر في بعض المواقع، لكنه في النهاية سيصبح أقل قابلية للانتقال عن المتحورات الأخرى ليخرج في نهاية الأمر من المشهد. وقد حدث هذا بالفعل مع «ألفا» و«بيتا» خلال النصف الأول من عام 2021.
وبغض النظر عما إذا كان «أوميكرون» سيزيح المتحورات الأخرى تماماً، يبدو من المحتمل أن يتسبب في زيادة أعداد الإصابات بمختلف أرجاء العالم. وسيعتمد مدى هذه الزيادة على مستوى المناعة في أوساط مختلف فئات السكان، وتدابير الصحة العامة السارية وتأثيرات عوامل أخرى، مثل التغيرات الموسمية في درجة الحرارة والرطوبة على تفشي الفيروس، والتي لم يستوعبها العلماء تماماً بعد.
إذا تسبب «أوميكرون» في ارتفاع أعداد حالات الإصابة، لكن بأعراض أقل حدة عن «دلتا»، فإن هذا بالتأكيد سيكون خبراً ساراً. إلا أنه إذا انتشر على نطاق واسع، سيبقى بمقدوره الدفع بأعداد كبيرة من الأشخاص إلى المستشفيات. وينبغي أن نضع في اعتبارنا كذلك، أنه من الممكن أن يكون «أوميكرون» على الأقل بالمستوى ذاته من الحدة مثل «دلتا» فيما يتعلق بالأشخاص الذين يفتقرون إلى مناعة. أضف إلى ذلك، أننا لا نعي حتى الآن العواقب الصحية طويلة المدى للإصابة بـ«كوفيد - 19»، وسيستغرق الأمر أسابيع لاستيعاب كيفية تأثير «أوميكرون» على مجموعات من الأشخاص يتسمون بمستويات متباينة من المناعة.
ومن المتوقع كذلك أن تساعد التدابير التي تعمل على السيطرة على انتشار متحورات أخرى في مكافحة «أوميكرون»، ويشمل ذلك زيادة معدلات التطعيم، ودعم الاختبارات الجماعية السريعة، وتحسين التهوية الداخلية، وتشجيع استخدام أقنعة حماية الوجه (بالإضافة إلى التحول إلى استخدام الأقنعة العالية الجودة) ومساعدة الأشخاص على التعرف على إصابتهم، الأمر الذي يسهل عزلهم. وتشير بعض الأدلة إلى أن الحصول على جرعة معززة يزيد من الحماية أكثر من تلك التي توفرها سلسلة جرعات اللقاحات الأولية فقط.
وبالنظر إلى الطفرات الواسعة في «أوميكرون»، قد يكون من الضروري كذلك صنع لقاحات خاصة بـ«أوميكرون». ومن شأن تبني هذه الإجراءات أثناء مراقبة المجهول المعاونة في تحقيق التوازن بين تقليل المخاطر مع الاستمرار في الاستمتاع بحياتنا - وهذا تحديداً ما يأمله العلماء، مثل أي شخص آخر.
* يعتمد المختبر الذي يعمل به الدكتور بلوم في مركز فريد هاتشينسون لأبحاث السرطان في سياتل، على مزيج من التجارب والحسابات لدراسة تطور فيروسات مثل «سارس - كوف - 2». وتتولى الدكتورة كوبي إدارة مجموعة حسابية في جامعة شيكاغو تبحث تفاعل جهاز المناعة والتطور الفيروسي وانتقاله.
* خدمة «نيويورك تايمز»