تكريت ودروس يجب تعلمها

تكريت ودروس يجب تعلمها

الاثنين - 17 جمادى الآخرة 1436 هـ - 06 أبريل 2015 مـ رقم العدد [13278]
عطاء الله مهاجراني
صحافي ايراني

العراق كبلد والعراقيون كشعب صاحب تاريخ عظيم وحضارة، واجهوا وما زالوا يواجهون العديد من المشاكل الاجتماعية والسياسية والكوارث.
كتب شاعر العراق الكبير الجواهري قصيدة عالمية، غاية في الإبداع، تحمل عنوان «يا دجلة الخير»، والتي يؤكد فيها بحق هذه النقطة:
يا دجلة الخير خليني بما كسبت
لي المقادير من لدغ الثعابين
ليس هناك شك في أن من بين كل الكوارث التي يواجهها العراق تعد كارثة تنظيم داعش وتصرفاته مع السنة، والشيعة، والأكراد، والمسيحيين، والإيزيديين، كارثة لن تنسى، وجرحا لن يندمل أبدا في وجه العراق.
لحسن الحظ، تحررت مدينة تكريت، عاصمة محافظة صلاح الدين، ومدينة صلاح الدين الأيوبي (1137-1193) في 31 مارس (آذار). فقد شعرت الحكومة العراقية، وجميع أفراد الشعب العراقي بالسعادة، عندما أعلن رئيس الوزراء العبادي، الذي يشغل أيضا منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في يوم الثلاثاء الموافق للتاريخ المذكور على شاشة التلفزيون الرسمي، أن تكريت قد تحررت.
كان باستطاعتي رؤية ذلك الشعور بالسعادة على وجوه الوزراء بمن فيهم الجعفري، وزيباري، اللذان كانا يجلسان في الصف الأول.
وصلت القوات العراقية إلى وسط تكريت، ورفعت العلم العراقي على مبنى المحافظة، فيما استمر القتال على أطراف المدينة، حسبما قال العبادي الذي أضاف أن «النجاح الذي أحرزناه في تجربة تكريت سيتكرر في مناطق أخرى، نظرا للنتائج التي حققناها على مسرح المعارك، وعلى المستوى الإنساني، حيث نجحنا في الحفاظ على أرواح المدنيين بقدر الإمكان، بالإضافة إلى الخسائر المحدودة في الأرواح بين قواتنا الأمنية».
وحاولت القوات العراقية في العديد من المرات استعادة مدينة تكريت منذ استيلاء تنظيم داعش عليها، ضمن جزء من حملتها لبناء خلافة مترامية الأطراف وهو الأمر الذي لم تنجح فيه حتى هذه اللحظة. وتعد هذه العملية هي الأكبر بالنسبة للجيش العراقي حتى وقتنا هذا.
وكانت اللحظة التي ظهر فيها عبادي المنتصر، وهو يمشي وسط مدينة تكريت مع العلم العراقي في الأول من أبريل (نيسان)، مصدر فخر كبير للعراقيين بانتصار جيشهم. ووعد العبادي جميع أهالي تكريت، الذين تم إجلاؤهم عن مدينتهم بالقوة، بالعودة إلى منازلهم لتعود الحياة في المدينة لمجراها الطبيعي.
وقال العبادي: «لقد تمكنا من مفاجأة (داعش)، كما تمكنت قواتنا الجوية، بالإضافة إلى قوات جوية تابعة للتحالف تعاون قواتنا العراقية، من توجيه ضربات قاسية لـ(داعش)، وأعداء العراق. وكذلك تمكنت قواتنا البرية بدماء العراقيين والعراقيين فقط، من تحرير هذه الأرض».
يمهد الانتصار في تكريت الطريق للقوات العراقية لاستعادة جائزة أكبر، ألا وهي مدينة الموصل، على الرغم من أن تحرير مدينة الرمادي يمثل أهمية كبيرة للحكومة العراقية. وأعتقد أن هناك دروسا مهمة يجب أن نضعها في اعتبارنا بعد تحرير تكريت.
1- تحول مناخ الفشل، واليأس، وخيبة الأمل، في العراق إلى مناخ مفعم بالأمل والسعادة والثقة.
2 - الوحدة الكبيرة بين كافة فئات الشعب العراقي، فمثلما قال رئيس الوزراء العبادي، لقد اختلطت دماء جميع العراقيين، وكانت النتيجة الانتصار وتحرير تكريت.
وهذه نقطة حساسة جدا، فالعراق لكل العراقيين، وليس هناك عراقي من الدرجة الأولى وآخر من الثانية. والعراق بلد متعدد الديانات والأعراق.
من دون المسيحيين، والإيزيديين، والأكراد، والسنة، والشيعة، لن تصبح العراق دولة كاملة؛ فأرض العراق وعلمه يمثلان الصلة بين كل العراقيين. وحاول تنظيم داعش عن طريق قتل العراقيين إحداث الفرقة بينهم، لكن حان وقت الانتصار وتحقيق الوحدة بين جميع العراقيين.
3- قرأت بيان السيستاني والـ20 نصيحة التي أسداها للعراقيين، حيث أكد في بيانه على القيم الإنسانية، وقراءة البيان تظهر أننا بحاجة أكثر من أي وقت مضى لزعيم ديني مثل السيستاني.
على سبيل المثال، تعد الفقرتان الرابعة والخامسة من رسالته المفتوحة إلى المقاتلين، في غاية الأهمية، ويجب أخذهما في الاعتبار.
4 - بحق الإله وبحق عظمته، قتل النفس حرام، لا تقترفوا أبدا ما حرمه الله. يا له من استخفاف أن تقتلوا النفوس البريئة، ويا له من شرف أن تذودوا عنها كما قال جل جلاله في كتابه الكريم.. إن قتل النفس له عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة.
5 - بحق الإله وبحق عظمته، حياة أولئك الذين لا يحاربونكم محرمة، وخاصة الضعفاء منهم والشيوخ والأطفال والنساء حتى لو كانوا من عائلات أولئك الذين يحاربونكم. محرم عليكم أن تنتهكوا قدسية الذين يحاربونكم باستثناء ممتلكاتهم.
هذا الموقف الذي كنا بحاجة إليه.
يمثل تنظيم داعش في العراق، وجميع البلاد الإسلامية، أسوأ تفسير ممكن للنصوص الدينية، مثلما جاء في القرآن في الآية 91 من سورة الحجر «الذين جعلوا القرآن عضين» وكانت كلمة «عضين» قد استخدمت مرة واحدة في القرآن لتوضيح الطريقة الخاطئة في قراءة آيات القرآن دون تدبر معانيه. ويجب أن نضع في اعتبارنا كيف يستخدمون النص خارج السياق. ويركز القرآن على كيفية استخدام بعض الناس لآياته مع نسيان الآيات الأخرى؛ بمعنى آخر، يركز القرآن على المنهجية، ونحن نعرف أن منهجية تفهم آيات القرآن مهمة للغاية كي نتمكن من تدبر معاني الآيات.
إذا شئت، يمكننا أن نعقد مقارنة بين المنهجية من جانب، والاعتراف بالعلاقة بين الطريق والوجهة من جانب آخر. إنه إنجاز كبير تم تحقيقه.
دعوني أعُدْ مرة أخرى للجواهري وأختتم بالبيت الذي أورده في قصيدته «دجلة الخير»، وأود أن أركز على وحدة العراق التي رأيناها في عملية تحرير تكريت بواسطة العراقيين كما قال العبادي؛ كان الدم العراقي فقط هو ما حرر مدينة تكريت.
يا دجلة الخير والدنيا مفارقة
وأي شر بخير غير مقرون


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو