لقطة عادية لكنها تشي بالكثير، شدت انتباهي صباح هذا اليوم. قبل دخولي عرض هولي فولتون، توقفت في القاعة المخصصة لمحرري الأزياء والمدونين لالتقاط أنفاسي تحسبا لعروض متتالية لن تنتهي إلا على الساعة الثامنة مساء بحفل افتتاح دار {لونغشون} Longchamp محلها الجديد في قلب لندن. ما إن وطأت قدماي القاعة حتى شدني منظر أكثر من عشر فتيات في سن الصبا، كل واحدة بتسريحة غريبة ولون شعر أغرب، لا يزحن عيونهن عن أجهزة الكومبيوتر أمامهن، وأصابعهن تنقر على لوحة المفاتيح من دون هوادة. بعد أن خفت الزحمة وقمت متوجهة لمكان العرض، لم تتزحزح أي واحدة منهن عن مكانها أو ترفع عينيها عن الشاشة، وكأن حضور العرض لا يعنيها. تذكرت ما قالته لي مرة مسؤولة علاقات عامة لمنظمة الموضة، بأن هذه شريحة جديدة من المدونات المتطلعات لدخول عالم الموضة والصحافة، لا تحصل أي واحدة منهن على دعوة رسمية من قبل المصممين، لهذا يكتفين بمتابعة العروض على الإنترنت. المنظر كله أعاد إلى ذهني تلك الجدلية التي بدأت منذ سنوات بأن عصر الإنترنت سيؤثر على شخصية عروض الأزياء، خصوصا أن الأغلبية باتوا يبثون عروضهم مباشرة على مواقعهم. وهذا ما يدعو البعض للتساؤل عن مدى جدوى العروض بشكلها التقليدي، وما إذا كانت تستحق تعبها وتكاليفها. فدار {بربيري} مثلا ومنذ التحاق مصممها الفني كريستوفر بايلي بها منذ أكثر من عشر سنوات، وهي تغازل هذا المجال إلى أن أتقنته وأصبح سمة لصيقة باسمها، سواء من حيث تسويق بعض القطع بعد العرض مباشرة على الإنترنت عوض الانتظار قرابة ستة أشهر على وصولها إلى المحلات، أو من حيث بث عروضها مباشرة على موقعها الخاص. وأحيانا يكون البث ثلاثي الأبعاد لمزيد من الإثارة من جهة، ولكي يشعر المتابعون ممن تعذر عليهم الوجود في لندن كما لو أنهم في قلب الحدث، من جهة ثانية.
مارك جاكوبس أيضا دخل مجال الإنترنت وحقق فيه نجاحا لا يستهان به، بل حتى المصمم توم فورد الذي لم يكن مقتنعا بهذه الخطوة منذ سنوات قليلة، أذعن للأمر في تشكيلته لخريف وشتاء 2013. أما ماثيو ويليامسون، فقد فتح منذ أيام على موقعه ما يشبه المؤتمر الصحافي يتلقى فيه أسئلة الزبونات والمعجبات عبر «تويتر» ليجيب عنها أو يلبيها. لكن ما أثار جدلا أكبر وأرسل قشعريرة في جسم الرعيل القديم، ما صرحت به المصممة ورئيسة غرفة الموضة الأميركية الحالية، دايان فون فورتنسبورغ، في خطاب ألقته مؤخرا، بأنها لا تستبعد أن يأتي الوقت الذي يستعيض فيه المصممون تماما بالإنترنت عن إقامة عروض أزياء. ورغم ما أثاره تصريحها من جدل وحفيظة البعض، فإنها كامرأة عاصرت تغيرات الموضة منذ عدة عقود، لا بد وأن تكون قد استشعرت أن الإنترنت سيصبح جزءا مهما في عالم العروض والموضة عموما.
فالفرق بين الأمس واليوم، أن المرأة كانت ترضى بأن تنتظر أشهرا قبل حصولها على قطعة رأتها في عرض حميم، لأنها كانت مطمئنة أنها ستحصل على قطعة فريدة وخاصة بها لا يمكن لأحد أن يستنسخها ويسبقها لارتدائها، بحكم أن المصممين كانوا يحيطون عروضهم بسرية تامة، لسد الطريق على المتطفلين من المقلدين. أما اليوم، فإيقاع الحياة تغير وتسارع، ولم تعد المرأة تطيق صبرا، فهي تريد أن تحصل على ما تراه مباشرة ولا تريد انتظاره أشهرا تكون فيها عيونها قد التقطت توجهات موضة أخرى وجديدة.
بالإضافة إلى دايان فون فورتنسبورغ، هناك امرأة أخرى، التقطت التغيرات بحسها التجاري، هي تمارا ميلون، التي منذ أن تركت {جيمي شو} ماركة الأحذية الشهيرة، وهي تفكر في إطلاق خط موضة خاص بها. تمارا قالت بصريح العبارة إنها لا تفكر في تنظيم أي عرض، صغيرا كان أم كبيرا، مضيفة أنها عوض أزياء موسمية، كل ستة أشهر، ستقدم تشكيلات صغيرة طوال العام لطرحها في المحلات مباشرة بعد تصميمها. وعلقت: {أنا واحدة من النساء اللواتي لا يردن شراء معطف ولا يحصلن عليه أو يتمكن من ارتدائه إلا بعد أربعة أو خمسة أشهر}.
TT
عروض الأزياء وجدلية الإنترنت
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
