بايدن ورسائل الانسحاب من أفغانستان

بايدن ورسائل الانسحاب من أفغانستان

الجمعة - 19 محرم 1443 هـ - 27 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15613]
الياس حرفوش
كاتب و صحافي لبناني

في سجل كل رئيس أميركي قرار يذكره التاريخ. آيزنهاور وإنقاذ أوروبا من أدولف هتلر. نيكسون ومصافحة ماو وإعادة العلاقات مع الصين. جورج بوش الأب وتحرير الكويت. كلينتون ومواجهة جرائم الصرب بحق المسلمين والكروات في البوسنة. أوباما و«الخط الأحمر» السوري. والآن جو بايدن والانسحاب من أفغانستان. وحكم التاريخ قاس ولا يرحم. يتخذ الرئيس قراره معتمداً على ما بين يديه من معطيات وما لدى مستشاريه من نصائح. لكنه يبقى، في حساب الأرباح والخسائر، المسؤول الوحيد عن ذلك القرار.
ترك دونالد ترمب وراءه ألغاماً كثيرة لوريثه جو بايدن. لكن أكثرها قدرة على الانفجار في وجه الإدارة الجديدة كان قرار الانسحاب من أفغانستان، بعد تفاوض طويل بين الإدارة السابقة وقادة «طالبان». لم يكن سهلاً أن يتراجع بايدن عن ذلك القرار، مع أنه تراجع عن قرارات أخرى اتخذها العهد السابق. التراجع كان سيعني إغراق الولايات المتحدة في حرب مفتوحة مع «طالبان»، وإلحاق الضرر بسمعتها كطرف لا يحترم تعهداته وتواقيعه.
دونالد ترمب، «عراب» قرار الانسحاب، هو اليوم بين أشد المنتقدين للطريقة التي قرر بايدن أن يخرج بها من أفغانستان. يصف ترمب هذه الطريقة بأنها «أسوأ قرار اتخذه أي رئيس في تاريخ الولايات المتحدة». ولترمب مؤيدون كثيرون في الولايات المتحدة، داخل الحزب الجمهوري وبين الديمقراطيين، ممن يأخذون على بايدن أنه حوّل مشاهد خروج قواته من أفغانستان إلى انتصار لـ«طالبان» وهزيمة لأميركا بعد أطول وجود عسكري خارج حدودها، امتد لعشرين سنة.
والمشاهد تبقى عالقة في الأذهان في عصر الصور ومواقع التواصل والكاميرات المصوّبة على عيون الأطفال الباكين خوفاً في مطار كابل. ويبقى أيضاً ترك الأفغان لمصيرهم وترك بلادهم لمستقبل لا يبشر بخير، لهم أو للعالم، ويزيد الأمر خطورة ما أكده المسؤولون الغربيون من وجود تهديدات جدية بأعمال إرهابية وشيكة، يمكن أن تنفذها مجموعات موالية لتنظيم «داعش» في أفغانستان. أي أن هذا البلد الذي دخلته القوات الأميركية وحلفاؤها للانتقام من قادة «القاعدة» الذين نفذوا هجمات 11 سبتمبر، يمكن أن يتحول إلى ضحية جديدة لإرهاب أخطر وأوسع انتشاراً، على الرغم من وعود «طالبان» بعدم السماح بأن تتحول أفغانستان إلى منطلق لأعمال إرهابية ضد جيرانها أو أي دولة أخرى. ويبقى السؤال، حتى لو صدقت تلك الوعود، عن مدى قدرة «طالبان» على الوفاء بها، في ظل النزاعات القبلية في ذلك البلد الواسع والمتعدد الولاءات، حيث يستطيع أي تنظيم أن يحتكر زاوية لنشاطه، مثلما فعل تنظيم «القاعدة» من قبل.
المشاهد تبقى ومعها حساب التاريخ. بايدن يعتبر أن التاريخ سينصفه وسيحكم بإيجابية على قرار الانسحاب، وأن إبقاء القوات الأميركية في أفغانستان ليس في مصلحة الولايات المتحدة لأن مهمتها ليست «بناء الأمم»، لأن هذه يجب أن تكون مسؤولية شعوب تلك الدول. ويتفق ذلك مع ما سبق أن ذكره الرئيس الأميركي في خطاب القسم الذي ألقاه عند تسلمه مسؤولياته من أن أميركا يجب أن تقود من خلال النموذج والمثال الذي تقدمه للعالم كبلد رائد بنظامه الليبرالي، وليس من خلال استخدام القوة العسكرية لفرض هذا النموذج على الآخرين.
كلام مثالي. لكنه يُطرب آذان السامعين في دول تعتبر الليبرالية الأميركية خصماً لها ووسيلة لتحريض معارضيها ضدها. ولنا أن نتخيل كيف يستقبل رئيس الصين شي جينبينغ هذه السياسة الأميركية القائمة على عدم الالتزام بتوفير الحماية العسكرية للأنظمة الحليفة، وكيف تستقبله من الجانب الآخر حكومة تايوان التي أعلنت صراحة «يتعين علينا أن نكون أقوى وأكثر اتحاداً وقوة لضمان دفاعنا عن أنفسنا». وكيف يتفق فلاديمير بوتين مع تصريحات بايدن، ويؤكد موافقته على عدم جواز فرض أي نموذج حكم بالقوة على بلد آخر! ويبلغ الرياء قمته عندما يكون قائل هذا الكلام هو الرجل الذي أقدم على احتلال جزيرة كاملة من أراضي جارته أوكرانيا وضمها إلى روسيا من دون أن يرف له جفن، على الرغم من العقوبات الغربية المفروضة على بلده. وما زال يهدد وحدة أراضي أوكرانيا من خلال دعمه معارضي حكومة كييف وتدخله العسكري في مناطقها الشرقية، علاوة على تدخله في مناطق أخرى وتهديد معارضيه بالقتل داخل روسيا وحيثما وجدوا في مدن العالم.
وفيما يرتاح خصوم الولايات المتحدة لما يعتبرونه تراجعها عن الدور التقليدي الذي تلعبه حول العالم، ينعكس ذلك سلباً على مواقف الحلفاء. ومن تابع الخلافات بين الرئيس الأميركي وحلفائه في «مجموعة السبع» خلال اجتماعهم الأخير خرج بانطباع أن بايدن كان أقرب إلى سياسة سلفه ترمب في التعامل معهم على قاعدة «أميركا أولاً» ومصالحها تتفوق على أهمية تحالفاتها. كما كان أقرب إلى مهادنة «طالبان»، رافضاً دعوات حلفائه الذين سعوا لتمديد مهلة الانسحاب من مطار كابل للسماح بإخراج عدد أكبر من الأفغان الذين عملوا مع القوات الغربية خلال وجودها في أفغانستان وباتت حياتهم معرضة للخطر لو تركتهم واشنطن بين أيدي مقاتلي «طالبان». كان بايدن أقرب إلى الرضوخ لتهديد «طالبان» بضرورة الانسحاب مما كان إلى موقف القادة الغربيين الذين كانوا يأملون الضغط على الحركة لتمديد هذا الموعد ولو لأيام قليلة.
يقول هنري كيسنجر، مهندس الخروج من فيتنام والمصالحة مع الصين، في مقال نشره في مجلة «الإيكونوميست»، إن القلق الأكبر في الانسحاب الأميركي من أفغانستان هو الطريقة التي تم بها من دون مشاورات مع حلفاء الولايات المتحدة أو مع الأطراف التي شاركت مباشرة في التضحيات التي دامت عشرين عاماً. ويضيف أن ذلك سيؤدي إلى خيبة أمل بين حلفاء أميركا وتشجيع لخصومها وعدم فهم بين المراقبين والمعلقين لظروف اتخاذ هذا القرار.
والنتيجة أن ولاية جو بايدن لن تكون بعد الانسحاب من أفغانستان بهذه الطريقة كما كان يأمل. لقد كان يفضل بالتأكيد لو انتهت السنة الأولى من ولايته من دون أن يصطدم بهذا القرار الصعب. فصراعه مع سلفه الذي يخيم ظله على رئاسته مفتوح على مصراعيه، وستزيد الحملة المتصاعدة على هذا القرار من حدة الانتقادات. لذلك من المبكر أن يتفاءل الرئيس الأميركي بحكم التاريخ، فهذا الحكم بات مرتبطاً الآن بما ستفعله «طالبان» وما إذا كان حكمها المتجدد لأفغانستان سيفتح جرحاً جديداً مع الغرب، أم سيترك بايدن يهنأ بالباقي من ولايته التي ما زالت في عامها الأول.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو