لا آتي بجديد إذا قلت إن التدمير أسهل من البناء، فأنتم تعرفون ذلك قبلي، فمثلاً، جسر يستغرق بناؤه ثلاث سنوات يُدمَّر بثوانٍ عبر التفجير سواء بقنابل محلية الصنع لا تكلف دولارات، أو بصاروخ، أو بمسيّرة لا يتعدى ثمنها ألفَي دولار (نحو 7500 ريال سعودي). هذا أبسط الأمثلة، ولكن لو ذهبنا إلى بناء مجمع صناعي مثلاً، لاستغرق ذلك نحو ثلاثين عاماً، ما بين بناء المجمع، وتأهيل الكوادر، واكتساب المعرفة، وتجاوز الأخطاء حتى نصل إلى إنتاج منافس من جميع النواحي؛ من ناحية الجودة ومن ناحية السعر، كل ذلك يمكن تدميره بثوانٍ عبر صاروخ زهيد الثمن، ناهيك عن تدمير التعليم وتدمير البشر.
هنا يبرز سؤال: هل سبب التدمير الحرب فقط؟ نعم الحروب من أهم أسباب التدمير للفائز والمهزوم على حدٍ سواء، لأن الجميع ستطاله الخسائر في هذه الحرب، والأقل خسائر في الحرب هو المنتصر، ولكن قبل ذلك فإن سبب الحرب قرار سياسي، فقبل الحرب هناك طرف اتخذ قراراً سياسياً ببدء الحرب ليُواجَه بالرد، ولو أخذنا مثلاً حاضراً اليوم، سنجد أن النظام الإيراني قد اتخذ قراراً سياسياً في عهد الخُميني بتصدير الثورة، ما كلفه تكلفةً اقتصاديةً عاليةً يدعم بها حلفاءه على حساب الاقتصاد الإيراني وعلى حساب رفاهية شعبه، منتظراً النصر، وغير عابئٍ بالخسائر، ليفقد الاثنين معاً، من حصار جائر على الشعب الإيراني وفقدان للحلفاء الذين قُلّمت أظفارهم.
في الجانب الآخر نرى الكوريتين، فكوريا الجنوبية تصالحت مع نفسها ومع المجتمع الدولي، فكسبت تطور اقتصادها ورفاهية شعبها، وفي الجانب الآخر نرى كوريا الشمالية أصرت على طموح يفوق إمكاناتها، فحوصرت اقتصادياً وشعبها يعيش على الكفاف.
ثم لدينا اليابان التي خسرت في الحرب العالمية الثانية ووقَّعت اتفاقية استسلام، لتتصالح مع النظام العالمي وتتطور اقتصادياً، رغم انعدام الموارد لتنتج عن ذلك نظرية «z» اليابانية وهي فلسفة إدارية ابتكرها العالم الأميركي من أصل ياباني، ويليام أوتشي، في الثمانينات، وتهدف لدمج مميزات الإدارة اليابانية الولاء والعمل الجماعي، مع الإدارة الأميركية التي تركز على المسؤولية الفردية وتركز على التوظيف طويل الأمد، والرضا الوظيفي، واتخاذ القرارات.
لتصبح اليابان أيقونة التصنيع رغم انعدام الموارد فيها، ولكن فقط بالتعليم وتطوير العنصر البشري والتصالح مع المجتمع الدولي تطورت.
ليعيش الشعب الياباني والشعب الكوري برفاه اقتصادي منقطع النظير، فلو أن إيران نهجت نهج اليابان وكوريا الجنوبية ألا يكون ذلك بمصلحة رفاهية شعبها واستمرار نظامها؟!. ودمتم.
