مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

فكرة «الناتو الخليجي»

استمع إلى المقالة

الحروب والمخاطر الوجودية الأخرى (الأوبئة العُظمى مثلاً) هي السبب المباشر لتحفيز الأفكار الجديدة/ الجريئة، على التطّور والظهور ثم التطبيق، ويعني ذلك اختصار الزمن وتسريعه.

هذا صحيح لا مِراء فيه، وتجارب المجتمعات البشرية شاهدة بهذا، ونحن اليوم في الخليج العربي نعبرُ بلحظة من هذه اللحظات الوجودية، بعد أن ركّز النظام الإيراني شرَرهُ وشرورهُ على دول الخليج، باعثاً لها أسوأ ما في خزائنه من أسلحة الخراب، ومطلقاً طاقة من الكراهية والعداوة لن تُنسى قريباً، ومحفّزاً أهل الرأي وقبلهم صُنّاع القرار على التفكير «خارج الصندوق» لصون الخليج وأهله من تكرار هذه الغزوات الجوية الخبيثة بالصواريخ والمُسيّرات، وكأنها خفافيش موبوءة سوداء تحاول نثر الوباء، لولا يقظة وحزم المقاتلين الخليجيين الشجعان، ولولا ضياع حرس الثورة المتعصبين على وقع الضربات المهولة التي تنزل على رؤوسهم وخزائنهم من السلاح.

في هذه الأجواء ظهرت دعوات لقيام حلف خليجي عسكري استراتيجي دائم لمجابهة هذا الخطر الذي لم يستثنِ دولة خليجية دون أخرى، ومن ذلك دعوة سياسي خليجي متقاعد لإنشاء ما وصفه بـ«ناتو خليجي» جديد يتجاوز كل الخلافات ويعتمد على الذات.

دعوة جميلة في أول قراءة، لكنها تتجاهل بعض الأمور، ومن ذلك، أن قادة الخليج ومؤسسة دول التعاون قد فعلت شيئاً من ذلك حقّاً، وإن لم يصل لدرجة «الناتو» وللتذكير السريع أوجز شيئاً من هذا:

قوات «درع الجزيرة» انطلقت فكرتها بالتزامن مع نشأة مجلس التعاون مطلع الثمانينات، وفي قّمة الكويت 2013 كان إنشاء القيادة العسكرية الموحدة لدول المجلس، كما أنّ هناك اتفاقيات دفاعية خليجية مشتركة، ناهيك بأن قوات درع الجزيرة قد نزلت الميدان في البحرين، ضدّ إيران عام 2011 إبّان مؤامرة «الربيع العربي».

الأمر الآخر، هو أن هذه الفكرة الجميلة تحتاج إلى توحيد القرار السياسي الخليجي في جلائل الأمور وعظائم القضايا، مثل الحاصل اليوم مع إيران.

حتى لو قام الناتو الخليجي، وتوافقت الرؤى تماماً - وهذا غاية الأماني - فإن ذلك لا يعني أبداً الاستغناء عن الولايات المتحدة، أعظم قوة عسكرية واقتصادية وعلمية في العالم اليوم، التي تنظر لدول الخليج نظرة الحليف، وكذا تنظر لها دول الخليج، وللتذكير فإن «الناتو» الأصلي نفسه، أي حلف شمال الأطلسي، إنما يستند إلى أميركا، فهي عمود الحلف وحجر زاويته.

على العكس، فإنّه لقيام ناتو خليجي حقيقي قوي ومستدام، يحتاج إلى التحالف والتعاون مع الأقوياء في العالم، وأميركا هي الرقم الأول في هذا الميدان.