خواطر عن الحرب والسلام

خواطر عن الحرب والسلام

الأربعاء - 23 شهر رمضان 1442 هـ - 05 مايو 2021 مـ رقم العدد [15499]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة

هناك في التاريخ البشري مجموعة قليلة من القضايا الكبرى التي لها علاقة مباشرة بالإنسان وحياته وبقائه، ليس أقلها أهمية قضية الحرب والسلام. والنبوءة العامة هي أن التقدم الإنساني في عمومه والتوازن ما بين أدوات الحرب والسلام قد خلق ظرفاً يقف أمام ظاهرة الحرب، ومنذ الحرب العالمية الثانية لم تحدث حرب عالمية أخرى.
وقف السلاح النووي مانعاً أمام الحرب واكتفت القوى العظمى بالحرب الباردة؛ وحتى هذه وصلت إلى طريق مسدود عندما انهار سور برلين عام 1989، وبعدها بدا أن «العولمة» هي طريق العالم إلى سلام دائم. الحروب الإقليمية التي جرت بين الصين والهند وبين الهند وباكستان لم تتكرر مرة أخرى رغم التهاب المواقف أحياناً، والحروب العربية الإسرائيلية التي تكررت أربع مرات اختُصرت إلى حروب صغيرة في لبنان وغزة؛ وحتى حرب كرة القدم التي جرت بين السلفادور وهندوراس عام 1969 لم يحدث مثيل لها فيما بعد. لم يكن معنى ذلك نهاية للعنف واستخدام السلاح في العلاقات الدولية، فقد جرت حروب ضد الإرهاب، وجرت تدخلات عسكرية في أكثر من بلد عربي، وكانت هناك حوادث للغزو في أفغانستان والعراق استمرت لعقود، وغلبت الحروب الأهلية حروب الدول. كان هناك كثير من العنف، ولكنه كان هناك كثير أيضاً من تفادي العنف، بل حتى محاولات لصنع السلام كما جرى بين العرب وإسرائيل، وإذا غاب هذا وذاك كانت هناك حالة من التوازن التي تمنع اللجوء إلى السلاح، لأن هناك ما يكفي من الخوف والردع وربما الطمع في حياة مزدهرة. كانت هناك لحظات حرجة عندما امتدت حدود حلف الأطلنطي إلى الحدود الروسية؛ وكانت هناك لحظات أكثر حرجاً عندما تدخلت روسيا في جورجيا وضمّت القرم؛ وراحت جيوشها تغازل الحدود الأوكرانية. ورغم هذه اللحظات فإن العالم عرف كيف يتعايش معها وتركها لتوازنات القوى المحلية للتعامل معها والحد من خطورتها.
في 27 أبريل (نيسان) المنصرم كتب توماس فريدمان مقالاً في «نيويورك تايمز» تساءل فيه عمّا إذا كانت الحرب سوف تحدث بين الصين والولايات المتحدة. المقال استند إلى رواية كتبها أدميرال أميركي متقاعد بعنوان «2034» كعام للحرب استعاد فيها «الديستوبيا Dystopia» التي أثارها جورج أورويل عندما ألّف رائعته «1984» عن مصير الإنسان في دولة ديكتاتورية حديثة. هذه المرة فإن كارثة الحرب التي سوف تحدث في بحر الصين ستكون حول الاقتصاد والتكنولوجيا والسبق في التنافس العالمي. هنا تكون الولايات المتحدة، ومن المفترض أن يكون معها حلفاؤها، في مواجهة تحالف جديد من الصين وروسيا وإيران عاقد العزم على منع الولايات المتحدة من العودة إلى مقعد القيادة العالمية مرة أخرى تحت قيادة بايدن هذه المرة. لمن يريد أن يعرف المزيد حول آليات هذه الحرب ربما يعود إلى الرواية أو المقال، ولكنه رغم استناد كليهما إلى وقائع حقيقية فإن المفاوضات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران وتحت المراقبة اللصيقة من روسيا والصين تجعل مسألة الحرب هذه ليست حتمية. وربما هناك ما هو أكثر، حيث الاعتماد المتبادل الأميركي - الصيني أكبر كثيراً من التناقضات الجارية بينهما حتى بما فيها سلاح «حقوق الإنسان» الذي يرفعه الرئيس الأميركي بايدن في وجه الدول الثلاث.
«قمة المناخ» الافتراضية التي دُعي إليها بايدن عكست مصيراً مشتركاً يتعلق بالكرة الأرضية لا يمكن للطرفين تجاهله. بقي أمر ضروري أن تتعلمه الولايات المتحدة، وكان جلياً بشدة في مباحثات «أنكوراج» في ألاسكا الأميركية والتي وضح فيها أن الندية بين الصين والولايات المتحدة لم يعد ممكناً تجاوزها. ما بقي هو أن تعلم أميركا وبايدن ذلك، وفي الظن أن الرجل لديه من التواضع ما يكفي للعلم الآن أو في المستقبل القريب أن سلاح «حقوق الإنسان» لم يعد ماضياً كما كان، ليس لأن الصين تغيَّرت، وإنما لأن أميركا لم تعد كما كانت.
إذا كانت الحرب بين الصين والولايات المتحدة مباشرةً ليست ممكنة ربما إلا في قصة مثيرة؛ فإن الحروب أحياناً تأتي من مستصغر الشرر. شرارة الحرب العالمية الأولى كانت مقتل الأرشيدوق النمساوي فرانز فرديناند في صربيا، والحرب العالمية الثانية قامت بعد الغزو الألماني لبولندا تحت دعوى حماية الأقلية الألمانية. الشَّرر والحريق هذه المرة يجري في الشرق الأوسط، بين إيران وإسرائيل اللتين دخلتا حرباً سرّية منذ فترة دارت حول إغراق أو إشعال حريق في سفن، أو تدمير قواعد عسكرية، أو إطلاق صواريخ وتفجير قواعد داخل أو بالقرب من منشآت نووية («نطنز» في إيران و«ديمونة» في إسرائيل) أو اعتماد ساحة مفتوحة للصراع في مناطق رخوة أمنياً في العراق وسوريا. خلال الشهور الأخيرة وسّعت إسرائيل بشكل كبير من الضربات الجوية على مراكز إنتاج الصواريخ والأسلحة الإيرانية في سوريا لصد ما تعدّه زحفاً عسكرياً خفياً من إيران. ومن جانب آخر، وبالاستفادة من تحالف طويل مع سوريا، قامت إيران بنقل أجزاء من صناعة الصواريخ والأسلحة المتقدمة إلى مجمعات تحت الأرض موجودة مسبقاً لتطوير ترسانة متطورة ضمن نطاق المراكز السكانية السورية. لفترة غير قصيرة قبل ذلك تسامحت إسرائيل مع دخول آلاف المقاتلين الإيرانيين من لبنان والعراق وأفغانستان إلى سوريا للقتال إلى جانب الرئيس بشار الأسد ضد المتمردين الذين يسعون للإطاحة بحكم أسرته الاستبدادي.
كان التدخل الإسرائيلي الوحيد في وقت سابق في الصراع السوري عبارة عن ضربات جوية متفرقة لتدمير شحنات الأسلحة إلى جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، ومنع الميليشيات من إنشاء قواعد في جنوب غرب سوريا، بالقرب من الأراضي الإسرائيلية. لكن مع قيام الأسد بإنهاء التمرد المستمر منذ عشر سنوات بمساعدة حاسمة من القوات الإيرانية والروسية، تحولت إسرائيل إلى استهداف اختراق إيران للبنية التحتية العسكرية لسوريا. في ديسمبر (كانون الأول) الماضي قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أفيف كوخافي: «إن أكثر من 500 ضربة صاروخية إسرائيلية في عام 2020 وحده أبطأت ترسخ إيران في سوريا لكن لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه لتحقيق أهدافنا في هذه الساحة». وأضاف عشرات من المسؤولين العسكريين والمخابرات الغربيين أن على رأس قائمة الضربات الإسرائيلية كان أي بنية تحتية يمكن أن تعزز جهود إيران لإنتاج مزيد من الصواريخ الموجّهة بدقة والتي يمكن أن تقوّض التفوق العسكري الإقليمي لإسرائيل.
هل تكون هذه هي الشرارة التي تشعل الحرب في الشرق الأوسط ومنها تنطلق إلى العالم؛ أم أن ما يقال عن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق ربما يكون فاتحة لتسويات تجري في اليمن، وبين الدول العربية وإيران، وحتى لاتفاق إيراني ضمني مع إسرائيل ودول عربية، أنه آن الأوان لوضع نهاية لفترة من تاريخ المنطقة قامت على العنف وانتهت إلى خسارة جميع الأطراف التي هبطت عليها جائحة «كوفيد - 19» وجعلت لديها من الإرهاق ما يكفي لإقامة السلام؟!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة