عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

الهند أرجأت محادثاتها... واليابان حذَّرت من الفوضى... واقتراح أوروبي بتعليق التصويت على الاتفاق مع واشنطن

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

دخل النظام التجاري العالمي مرحلة من الغليان القانوني والسياسي إثر قرار المحكمة العليا الأميركية الذي قيَّد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب الجمركية، مما أطلق شرارة «ثورة صامتة» في عواصم القرار. هذا القرار، الذي وصف بأنه «نزع سلاح» استراتيجي لواشنطن، دفع الدول الكبرى فوراً إلى إعادة تقييم جدوى صفقات التريليونات التي وقَّعتها تحت ضغط الترهيب؛ إذ بدأ العالم يستشعر لأول مرة أن «عقيدة المقايضة» الجمركية التي انتهجها البيت الأبيض باتت تفتقر إلى السند القانوني القوي.

لقد استند ترمب في «حربه الشاملة» على التجارة العالمية إلى قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، والمعروف اختصاراً بـ«IEEPA»، وهو تشريع يمنح الرئيس سلطات واسعة في حالات الطوارئ الوطنية. لكن ترمب ذهب بعيداً حين فسر هذا القانون بطريقة تمنحه الحق في فرض رسوم جمركية عقابية مرتفعة جداً «في أي وقت ولأي سبب»، مستخدماً إياه كـ«بازوكا تجارية» لمعاقبة الدول في ملفات لا علاقة لها بالتجارة، مثل الضغط على أوروبا في قضية غرينلاند أو تهديد المكسيك وكندا بسبب ملفات الهجرة.

وبحكم المحكمة الأخير الذي جاء بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، فقدت هذه الأداة قانونيتها، حيث رأت المحكمة أن فرض الرسوم سلطة حصرية للكونغرس، مما حرم الرئيس من عنصر «المفاجأة والردع» الذي كان يرهب به الأسواق.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

خطة بديلة

ومع ذلك، لم يستسلم البيت الأبيض لهذا الانكسار القضائي؛ ففي غضون ساعات قليلة، أعلن ترمب عن تفعيل «الخطة البديلة» عبر اللجوء إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974. هذه المادة تتيح للرئيس فرض رسوم لمواجهة العجز التجاري الخطير، لكنها تظل أداة «مقصوصة الأجنحة» مقارنة بالقانون السابق، فهي تضع سقفاً للرسوم لا يتجاوز 15 في المائة، وتحدد مدتها بـ 150 يوماً فقط ما لم يتدخل الكونغرس لتمديدها. هذا الالتفاف السريع، الذي بدأ برسم 10 في المائة قبل أن يرفعه ترمب إلى الحد الأقصى (15 في المائة) في أقل من يوم، يعكس إصرار الإدارة على إبقاء الشركاء التجاريين في حالة تأهب دائم، رغم أن الإجراءات الجديدة تتطلب تحقيقات فيدرالية مطولة بموجب المادتين 301 و232، مما يسلب ترمب قدرته على الضرب المفاجئ ويمنح الدول الأخرى «نَفساً» تفاوضياً لم يكن متاحاً من قبل.

كما يملك ترمب سلاح المادة 232 الذي لا يُقهر قضائياً؛ حيث تتيح فرض رسوم باسم «الأمن القومي» (مثل رسوم الـ50 في المائة على الصلب والسيارات)، وهي أداة دائمة وقاسية يصعب الطعن فيها. وكذلك سلاح المادة 301 وهي «سيف العقاب» للممارسات غير العادلة، والتي يخطط ترمب لاستخدامها عبر «تحقيقات نشطة» لشرعنة الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مما يبقي بكين تحت ضغط دائم.

مصير الصفقات الكبرى

تكمن المعضلة الكبرى الآن في مصير الاتفاقيات الإطارية الضخمة التي وقعتها واشنطن مع نحو 20 دولة وقوة اقتصادية، وهي الصفقات التي كانت قائمة في جوهرها على معادلة «الاستثمار مقابل الحماية».

وتتصدر اليابان وكوريا الجنوبية قائمة الدول التي سارعت لإرضاء واشنطن بصفقات «تريليونية» لتأمين استقرار قطاعاتها الصناعية الكبرى. اليابان، التي تعد السيارات وقطع غيارها العمود الفقري لصادراتها، نجحت في خفض الرسوم من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة مقابل تعهد تاريخي بضخ 550 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي.

وقد وصف أحد المسؤولين البارزين في «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في اليابان، الرسوم الجديدة بأنها «فوضى حقيقية»، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ»، عن إيتسونوري أونوديرا، الذي يشغل حالياً منصب رئيس مجموعة بحثية عن الضرائب تابعة للحزب.

واستبعد أونوديرا إمكانية أن تسعى اليابان من أجل إعادة التفاوض على الاتفاقية التجارية، مشيراً إلى أن جوهر المفاوضات التجارية التي جرت العام الماضي، كان خفض الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات، حيث إنها تعدُّ أكبر مصدر للصادرات اليابانية، ومصدراً رئيسياً للوظائف والاستثمارات.

حاويات مكدسة في ميناء لونغ بيتش (أ.ب)

ورغم وصف الوضع الحالي بـ«الفوضى الحقيقية»، فإن الحكومة اليابانية تجد نفسها في موقف حرج؛ فهي لا تزال تخطط للمضي قدماً في استثماراتها، بينما تكتنف الضبابية جولة التمويل القادمة المقرر الإعلان عنها خلال زيارة رئيسة الوزراء لواشنطن في مارس (آذار) المقبل.

أما كوريا الجنوبية، التي التزمت بـ350 مليار دولار كاستثمارات مقابل سقف رسوم 15 في المائة على الصلب والألمنيوم والسيارات، فتعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر. فبينما هدَّد ترمب مؤخراً برفع الرسوم إلى 25 في المائة متهماً سيول بالمماطلة في المصادقة البرلمانية على الاتفاق، جاء قرار المحكمة العليا ليمنح المفاوض الكوري «ورقة قوة» غير متوقعة، حيث يرى المحللون في سيول أن الحكم «يُبطل» فعلياً قانونية التهديد بالرسوم المتبادلة، مما يضعف من قدرة ترمب على ممارسة المزيد من الضغوط دون غطاء قانوني صلب.

أما إندونيسيا وماليزيا وكمبوديا والتي وافقت على رسوم بنسبة 19 في المائة مقابل مشتريات ضخمة من السلع الأميركية، فإنها تجد نفسها في وضع غير مواتٍ، مقارنة بمنافسيها الآسيويين.

الهند ترجئ الزيارة

وفي خضم هذه التطورات، قررت الهند إرجاء خططها لإرسال وفد تجاري إلى واشنطن هذا الأسبوع، وفق ما أفاد مصدر في وزارة التجارة الهندية. ويُعد هذا القرار من أوائل ردود الفعل الملموسة بين الدول الآسيوية على هذا القرار.

وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع: «اتُخذ قرار تأجيل الزيارة بعد مناقشات بين مسؤولين من البلدين. ولم يُحدَّد موعد جديد للزيارة».

وكان من المقرر أن يغادر الوفد يوم الأحد لإجراء محادثات لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية تجارية مؤقتة، بعد أن اتفق البلدان على إطار عمل لخفض واشنطن الرسوم الجمركية العقابية بنسبة 25 في المائة على بعض الصادرات الهندية المرتبطة بمشتريات نيودلهي من النفط الروسي.

وكان من المقرر خفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية إلى 18 في المائة، بينما وافقت الهند على شراء سلع أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى خمس سنوات، تشمل إمدادات الطاقة والطائرات وقطع غيارها والمعادن الثمينة والمنتجات التكنولوجية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما يعقد ترمب مؤتمراً صحافياً عقب قرار المحكمة العليا (إ.ب.أ)

إندونيسيا مستعدة لأي نتيجة

وفي الإطار نفسه، أكَّد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، استعداد بلاده للتكيف مع أي تغييرات في السياسات التجارية الأميركية، مشدداً على أن جاكرتا تحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة، وتبقى مستعدة للتعامل مع أي مستجدات.

ونقلت وكالة أنباء «أنتارا» الإندونيسية، عن سوبيانتو قوله للصحافيين في واشنطن العاصمة، إن قرار المحكمة العليا الأخير قضى بعدم أحقية السلطة التنفيذية في فرض رسوم جمركية عالمية واسعة النطاق استناداً إلى «قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية». وأبدى تفاؤله قائلاً: «إننا على استعداد لأي احتمال، ونحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة».

الجبهة الأوروبية

لم تكن القارة العجوز بمنأى عن هذا الزلزال؛ ففي بروكسل، انتقل التوتر من أروقة المكاتب إلى منصات القرار التشريعي. وأعلن بيرند لانغ، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، يوم الأحد، اعتزامه التقدم باقتراح رسمي لتعليق كافة الأعمال التشريعية المتعلقة بالاتفاق التجاري الضخم مع واشنطن.

هذا التحرك جاء رداً مباشراً على ما وصفه بـ«الفوضى الجمركية العارمة» التي أحدثتها إدارة ترمب، معتبراً أن الأساس القانوني الذي بُنيت عليه الاتفاقيات قد انهار تماماً.

وكان من المقرر أن يتم التصويت على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا هذا الأسبوع. وكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتفقا في ملعب «غولف تيرنبيري» التابع لترمب في اسكوتلندا بيوليو (تموز) الماضي، على اتفاقية لتجنب حرب تجارية، بموجبها يلغي الاتحاد الأوروبي رسوم الاستيراد على العديد من المنتجات الأميركية مقابل فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 15 في المائة على معظم صادرات السلع الأوروبية.

وتحتاج الرسوم الجمركية المخفضة للاتحاد الأوروبي إلى موافقة حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

وعلَّق البرلمان الأوروبي الشهر الماضي أعماله بشأن الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته، لكنه قرَّر لاحقاً طرح الاتفاقية للتصويت في نهاية فبراير (شباط).

ورغم إصرار وزارة الخزانة الأميركية على أن هذه الصفقات ستظل سارية، فإن المحللين يرون أن الدول قد تستعيد بعضاً من نفوذها التساومي، مستغلة الضعف القانوني لموقف ترمب الجديد، وإن كانت تخشى في الوقت ذاته من «انتقام رئاسي» غير متوقع عبر أدوات أخرى.

وتبرز مشكلة أخرى وهي أن القليل جداً من هذه الاتفاقيات قد تمت المصادقة عليه برلمانياً. وبينما كان ترمب يتصرف من جانب واحد، يحتاج المسؤولون في الطرف الآخر إلى موافقة تشريعية. وقد سارعت ماليزيا وإندونيسيا للإشارة إلى أنهما لم تصدِّقا بعد على اتفاقاتهما، حيث أكَّد وزير التجارة الماليزي أن بلاده ستعمل وفقاً لمصالحها الخاصة وتستمر في «تنويع علاقاتها التجارية».


مقالات ذات صلة

الهند: علاقتنا مع أميركا «جيدة جداً» رغم التوترات التجارية

الاقتصاد شاحنة تنقل حاوية داخل ميناء ثار بمدينة ساناند في ولاية غوغارات الهندية (رويترز)

الهند: علاقتنا مع أميركا «جيدة جداً» رغم التوترات التجارية

قال وزير التجارة الهندي بيوش غويال إن علاقات بلاده مع الولايات المتحدة «جيدة جداً»، رغم استمرار التوترات التجارية.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده.

«الشرق الأوسط» (بروكسل )
الاقتصاد رجل يقف بجوار شعار اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في بوينس آيرس بالأرجنتين (رويترز)

وزراء التجارة الـ20 يفتتحون محادثاتهم في الولايات المتحدة

يبدأ وزراء التجارة في مجموعة العشرين محادثاتهم، الأربعاء، في الولايات المتحدة، وسط أجواء متوترة بفعل الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (ميلووكي (الولايات المتحدة))
الاقتصاد حاويات الشحن في ميناء مونتريال بكندا (رويترز)

أميركا تبدأ حظر دخول منتجات كندية بقيمة مليار دولار

من المرجح أن تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وكندا مزيداً من التدهور، بعدما مضت الولايات المتحدة قُدماً في تنفيذ قرار بحظر دخول واردات كندية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سفينة شحن مليئة بحاويات الشحن في ميناء أوكلاند بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الصين وأميركا تتفقان على خفض جمركي بـ30 مليار دولار

قالت وزارة الخارجية الصينية إن الصين والولايات المتحدة اتفقتا على ترتيب متبادل لخفض الرسوم الجمركية بقيمة 30 مليار دولار، وإطلاق حوار بشأن الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)

الأسهم الصينية تتعافى... واليوان يواصل مكاسبه

شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
TT

الأسهم الصينية تتعافى... واليوان يواصل مكاسبه

شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

تعافت الأسهم الصينية، الجمعة، من أدنى مستوياتها في 14 شهراً، مدعومة بإعلانات شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي عن خطط لإعادة شراء أسهمها وتوقعات قوية للأرباح، بينما اتجه اليوان لتحقيق مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، مستفيداً من قوة الصادرات رغم استمرار الضغوط على الاقتصاد المحلي.

وارتفع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 0.1 في المائة، وصعد مؤشر «شنغهاي المركب» بنسبة 0.2 في المائة، في حين تقدَّم مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ بنسبة 0.5 في المائة.

ورغم التعافي، أنهى مؤشر «سي إس آي 300» الأسبوع منخفضاً بنسبة 3.4 في المائة، مسجِّلاً أسوأ أداء أسبوعي منذ منتصف يوليو (تموز)، ومكمِّلاً سلسلة خسائر استمرت 10 أسابيع.

وجاء التَّحسُّن بالتزامن مع انتعاش الأسواق العالمية، بعدما تعرَّضت أسهم الذكاء الاصطناعي لموجة بيع حادة الخميس، نتيجة المخاوف بشأن ارتفاع تكاليف الاقتراض والإنفاق الضخم على البنية التحتية التكنولوجية.

وأسهم تعافي الأسهم الأميركية في دعم أسواق اليابان وكوريا الجنوبية والصين، مع تراجع المخاوف مؤقتاً بشأن تقييمات شركات التكنولوجيا.

وفي السوق الصينية، أعلنت 10 شركات على الأقل مرتبطة بسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي خططاً لإعادة شراء الأسهم أو زيادة الحيازات، بينها شركة «إي أوبتولينك» المتخصِّصة في أجهزة الاتصالات الضوئية، و«بايوتك» المُصنِّعة لمعدات الرقائق.

كما كشفت شركات تكنولوجية، بينها «ميتا إكس إنتغريتد سيركتس» و«هايغون إنفورميشن تكنولوجي»، عن توقعات تشير إلى نمو قوي في أرباح الرُّبع الثالث.

وساعدت هذه الإعلانات على تهدئة المستثمرين، باعتبار أن إعادة شراء الأسهم تعكس ثقة الشركات في آفاقها، بينما توفر توقعات الأرباح مؤشرات على استمرار الطلب على بعض المنتجات التكنولوجية.

لكن «مورغان ستانلي» حذَّر من أن معنويات السوق لا تزال ضعيفة بسبب ضغوط السيولة العالمية وتباطؤ الطلب المحلي، مشيراً إلى أن التدفقات الاستثمارية المحدودة تقيد فرص صعود المؤشرات.

وازدادت التكهنات بشأن تدخل حكومي لدعم السوق، بعدما ارتفعت أحجام التداول قرب نهاية الجلسة في صناديق متداولة تفضِّلها المؤسسات المدعومة من الدولة، المعروفة باسم «الفريق الوطني».

كما أفادت «بلومبرغ» بأن الجهات التنظيمية شجَّعت الشركات والصناديق الحكومية على شراء الأسهم، مع توجيه بعض المستثمرين إلى الحدِّ من عمليات البيع.

وقادت أسهم العقارات والدفاع مكاسب السوق الصينية، بارتفاع تجاوز 3 في المائة، بينما سجَّلت أسهم التكنولوجيا الحيوية والعقارات مكاسب في هونغ كونغ.

وفي سوق العملات، استقرَّ اليوان قرب 6.6907 للدولار خلال التعاملات الصباحية المتأخرة، بعدما لامس 6.6897 للدولار، وهو أقوى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023.

وحدَّد «بنك الشعب الصيني» السعر المرجعي اليومي عند 6.7220 يوان للدولار، وهو أقوى مستوى منذ فبراير (شباط) 2023.

وتتجه العملة الصينية إلى تسجيل مكاسب للأسبوع الثالث على التوالي، مدعومة باستمرار قوة الصادرات، رغم تباطؤ بعض مكونات الاقتصاد المحلي.

وقالت شركة «نان هوا فيوتشرز» إن متانة الصادرات توفِّر دعماً أساسياً لليوان، بينما أشار محافظ البنك المركزي الصيني إلى أن الاختلالات الاقتصادية العالمية لا يمكن معالجتها من خلال تعديل أسعار الصرف وحده.

ويعكس هذا الموقف حرص بكين على تجنُّب ارتفاع سريع للعملة قد يؤثر في القدرة التنافسية للصادرات.

وفي الولايات المتحدة، أظهرت بيانات ارتفاع أسعار المنتجين خلال سبتمبر (أيلول) بأسرع وتيرة منذ أربعة أعوام ونصف العام، لكن «نومورا» عدّت أن الأرقام لا تكفي لتبرير رفع الفائدة الأميركية في أكتوبر (تشرين الأول).

وتترقب الأسواق تصريحات رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش بشأن السياسة النقدية، إلى جانب بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصيني المقرر صدورها الاثنين.

وأظهر استطلاع أجرته «رويترز» توقعات بتسارع النمو الصيني قليلاً إلى 4.4 في المائة خلال الرُّبع الثالث، مقارنة بأدنى مستوياته في أكثر من 3 سنوات.

وفي المقابل، دعا صندوق النقد الدولي بكين إلى توسيع التحفيز المالي لمواجهة ضعف الطلب ومخاطر الانكماش السعري.

ورأى محللو «بانثيون ماكروإيكونوميكس» أن الصادرات الصينية تواصل تحقيق تقدم رغم الرسوم الجمركية المرتفعة والضغوط التجارية الدولية وارتفاع الأسعار وقوة اليوان.

وبينما تمنح أرباح التكنولوجيا وخطط إعادة شراء الأسهم الأسواق فرصة للتعافي، فإن استدامة المكاسب ستعتمد على تحسُّن الطلب المحلي ووضوح السياسة النقدية الأميركية.

أما اليوان، فيستفيد من قوة القطاع التصديري، لكنه يظل مرتبطاً بقدرة الاقتصاد الصيني على تحقيق نمو أكثر توازناً بين الطلب الخارجي والاستهلاك المحلي.


الأسهم اليابانية تنتعش والسندات تتراجع مع انحسار المخاوف

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
TT

الأسهم اليابانية تنتعش والسندات تتراجع مع انحسار المخاوف

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

انتعشت الأسهم اليابانية، الجمعة، مدعومة بتعافي شركات التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لينهي مؤشر «نيكي» سلسلة خسائر استمرت 6 جلسات متتالية، بينما ارتفعت عوائد السندات الحكومية مع تراجع الطلب على الملاذات الآمنة، وسط استمرار الحذر بشأن نتائج الشركات والانتخابات النصفية الأميركية.

وأغلق مؤشر «نيكي» مرتفعاً بنسبة 1.39 في المائة عند 65 ألفاً و324.29 نقطة، بعد خسائر قاربت 5 في المائة في الجلسة السابقة، لكنه أنهى الأسبوع متراجعاً بنسبة 5.37 في المائة.

كما صعد مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً بنسبة 1.67 في المائة إلى 4066 نقطة، فيما بلغت خسائره الأسبوعية 0.95 في المائة.

وقال دايسوكي هاشيزومي، كبير الاستراتيجيين لدى «دايوا سيكيوريتيز»، إن الارتفاع جاء نتيجة إعادة شراء الأسهم بعد تراجعها الحاد، وليس بسبب عوامل إيجابية جديدة.

وأضاف أن المستثمرين لا يجدون مبررات قوية لزيادة مشترياتهم قبل صدور نتائج الشركات والانتخابات الأميركية الشهر المقبل.

وتراقب الأسواق احتمال تأثير نتائج الانتخابات في خطط الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومنها مقترح صرف خمسة آلاف دولار للبالغين الأميركيين وزيادة الإنفاق العسكري.

وقادت أسهم التكنولوجيا التعافي، إذ ارتفع سهم «طوكيو إلكترون»، المتخصصة في معدات تصنيع الرقائق، بنسبة 2.56 في المائة، وصعد سهم «كيوكسيا» لصناعة رقائق الذاكرة بنسبة 3.84 في المائة.

كما تقدم سهم مجموعة «سوفت بنك» بنسبة 1.9 في المائة، بينما عوض سهم «أدفانتست» خسائره المبكرة ليغلق مرتفعاً بنسبة 0.55 في المائة.

وجاء الانتعاش بعد موجة بيع عالمية لأسهم الذكاء الاصطناعي، أثارتها المخاوف بشأن ديون شركة الحوسبة السحابية الأميركية «كور ويف»، وتزايد التساؤلات حول قدرة الشركات على تحقيق عوائد تغطي استثماراتها الضخمة في القطاع.

وسجل سهم شركة الاستشارات «باي كارنت» أكبر مكاسب نسبية على مؤشر «نيكي»، بقفزة بلغت 17.25 في المائة، بعدما أعلنت خططاً لاستخدام السيولة الفائضة في الاستثمارات وإعادة شراء الأسهم. وساهم القطاع المصرفي في دعم السوق، مع ارتفاع سهم «ميتسوبيشي يو إف جيه» المالية بنسبة 1.82 في المائة، و«ميزوهو» المالية بنسبة 1.72 في المائة.

وشملت المكاسب 83 في المائة من الأسهم المتداولة في السوق الرئيسية لبورصة طوكيو، مقابل تراجع 14 في المائة واستقرار نحو 2 في المائة.

وفي سوق السندات، ارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 2.935 في المائة، بعدما تراجع خلال الجلسة إلى 2.885 في المائة. وكانت العوائد قد انخفضت الخميس إلى أدنى مستوياتها في أكثر من شهر، مع إقبال المستثمرين على السندات الحكومية هرباً من اضطرابات أسواق الأسهم.

وقال كاتسوتوشي إينادومي، كبير الاستراتيجيين لدى «سوميتومو ميتسوي ترست لإدارة الأصول»، إن موجة النفور من المخاطرة في الجلسة السابقة كانت مبالغاً فيها، لكنها بدأت تنحسر. وأضاف أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية خلال التعاملات الآسيوية شجع المستثمرين على بيع بعض السندات اليابانية.

وارتفع عائد السندات لأجل عامين بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 1.92 في المائة، بينما صعد عائد السندات لأجل عشرين عاماً بمقدار 3 نقاط أساس إلى 3.815 في المائة. ويعكس تراجع أسعار السندات وارتفاع عوائدها تحسناً نسبياً في شهية المخاطرة، مع عودة المستثمرين إلى الأسهم بعد الخسائر الحادة. لكن استمرار المخاوف بشأن تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ترقب نتائج الشركات والتطورات السياسية الأميركية، يحد من فرص التعافي السريع.

وبينما نجح «نيكي» في وقف سلسلة خسائره، فإن تراجعه الأسبوعي الكبير يشير إلى استمرار هشاشة المعنويات، ما يجعل نتائج الأعمال واتجاه الأسواق العالمية عاملين حاسمين في تحديد مسار الأسهم اليابانية خلال الفترة المقبلة.


غورغييفا: مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق فرصه في غياب الضمانات

كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
TT

غورغييفا: مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق فرصه في غياب الضمانات

كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)
كريستالينا غورغييفا خلال مشاركتها في جلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي ضمن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين ببانكوك (أ.ف.ب)

قالت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، يوم الجمعة، إن مخاطر الذكاء الاصطناعي قد تفوق الفرص التي يتيحها في غياب ضمانات كافية وإطار أخلاقي، مؤيدةً نهجاً يجمع بين التنظيم الذاتي للقطاع ومشارَكة الحكومات الرئيسية.

وتصدرَّت هذه التكنولوجيا الناشئة مناقشات الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين، المنعقدة هذا الأسبوع في بانكوك. وكان صندوق النقد الدولي قد حذَّر يوم الثلاثاء من مخاطر جسيمة تهدِّد النمو والاستقرار المالي، في ظلِّ احتمالات انتهاء طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وارتفاع مستويات الديون، واستمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وخلال حلقة نقاش، شارك فيها جاك كلارك أحد مؤسسي شركة «أنثروبيك»، أشارت غورغييفا إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تعزيز الاقتصاد العالمي، لكنه قد يتسبب أيضاً في صدمات سلبية إذا لم يحقِّق مكاسب كبيرة في الإنتاجية بالسرعة المأمولة.

وقالت: «في غياب الضمانات، قد تفوق المخاطر الفرص. والأهم من ذلك، نحن بحاجة ماسة إلى أساس أخلاقي، ولست متأكدة مما إذا كنا قد وصلنا إلى هذه المرحلة بوصفنا مجتمعاً».

وأضافت غورغييفا أن تمكين الناس في مختلف أنحاء العالم من الاستفادة من هذه التكنولوجيا سريعة التطور يتطلب توافر شروط مسبقة، من بينها البنية التحتية الرقمية والكهرباء والأطر التنظيمية الملائمة.

وأوضحت أن التحدي الأكبر يتمثَّل حالياً في كيفية وضع ضوابط وقائية لتكنولوجيا تتطور بوتيرة فائقة السرعة، مشبهةً تطورات الذكاء الاصطناعي بسيارات سباق «فورمولا 1» تنطلق بسرعة هائلة من دون حواجز تحمي الجمهور.

معايير قائمة على المنطق السليم

رأت غورغييفا أن التنظيم الذاتي للقطاع يمثل خياراً مناسباً، نظراً إلى أن الحكومات ليست في وضع مثالي لتنظيم قطاع يشهد تغيُّرات متواصلة أو الإشراف عليه. لكنها شدَّدت في الوقت نفسه على ضرورة إشراك المجتمع في هذه العملية.

وأضافت أن الدول التي تمتلك أكبر قطاعات الذكاء الاصطناعي، مثل الولايات المتحدة والصين والهند، إلى جانب الدول المشارِكة في سلاسل توريد هذه التكنولوجيا، ينبغي أن تكون جزءاً من هذا المسار.

وأكدت أيضاً ضرورة مشاركة المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، في حدود اختصاصاتها، لا سيما فيما يتعلق بنمو الإنتاجية وأسواق العمل والمخاطر التي تهدِّد الاستقرار المالي.

وقال كلارك، مواصلاً التشبيه، إن الأمر «أشبه بسباقات فورمولا 1 ليلاً، لكن ربما من دون مكابح في السيارات». وأكد أن وضع المعايير أمر ممكن، مشيراً إلى أنه بدأ بالفعل من خلال أطر السياسات الأولية في الاتحاد الأوروبي والالتزامات الطوعية في الولايات المتحدة.

وأوضح أن شركته تجري اختبارات دورية لأنظمتها، وتنشر تفاصيل هذه الاختبارات وتتبادل المعلومات المتعلقة بها، لكنه أشار إلى أن الاعتماد على الالتزامات الطوعية وحدها لا يكفي.

ورداً على سؤال بشأن تأييده فرض الدول التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي قواعد تنظيمية عليها، أجاب كلارك: «نعم. نحن بحاجة إلى معايير قائمة على المنطق السليم؛ فهذه هي الطريقة المثلى لتعزيز الثقة في التكنولوجيا وبناء الاقتصاد».

وأضاف أن «أنثروبيك» استعانت بجهات تقييم خارجية ومنحتها صلاحيات للاطلاع على البيانات، قائلاً: «نعتقد في نهاية المطاف أن على كثيرين غيرنا القيام بالشيء نفسه». ورحَّب في الوقت نفسه بتصريح إيلون ماسك بأن شركته «سبايس إكس» قد تتبع النهج ذاته.

ذكاء اصطناعي... أم «ذكاء فائق»؟

من جانبها، قالت إيرين براون، وكيلة وزارة الخزانة الأميركية، خلال مؤتمر صحافي منفصل، إن صندوق النقد الدولي يركز بصورة مفرطة على المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي، وينبغي له إيلاء اهتمام أكبر للفرص التي قد تفضي إلى طفرات اقتصادية إيجابية، مثل الذكاء الاصطناعي، الذي باتت الحكومة الأميركية تطلق عليه اسم «الذكاء الفائق».

وفي تصريح لوكالة «رويترز» يوم الخميس، قالت براون إن واشنطن تجري محادثات مع مساهمين آخرين في صندوق النقد الدولي لاعتماد المصطلح الجديد في بيان مشترك تعمل اللجنة التوجيهية للصندوق على صياغته.

من جهته، أعرب أندرو بيلي، محافظ «بنك إنجلترا»، خلال اجتماع لـ«معهد التمويل الدولي»، عن تفاؤله، بدرجة أكبر مما كان عليه قبل شهر، بإمكانية توصُّل الدول إلى توافق بشأن معايير اختبار تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقال مازحاً: «لست متأكداً مما إذا كان ينبغي لنا الحديث عن الذكاء الاصطناعي الآن! لقد استخدمت مؤخراً عبارة (الكيان الذي كان يُعرف سابقاً باسم الذكاء الاصطناعي)».

كما شارك رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش، في نقاش منفصل، موجهاً حديثه إلى غورغييفا بالقول: «كريستالينا، أنتم تسمونه (الذكاء الاصطناعي)، أما في الولايات المتحدة فنحن نطلق عليه الآن اسم (الذكاء الفائق)».