قد يكون 20% من سكان نيويورك يعيشون على حافة الفقر، وقد تكون أميركا لا تزال تعيش على وقع حرب جديدة في الشرق الأوسط، إلا أن نيويورك ترفض أن يؤثر أي شيء على أسبوعها للموضة، وساعية لتذويب كل المصاعب والمعيقات. فسحابة الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالعالم لعدة سنوات، بدأت تنقشع مما يزيد من تفاؤل المصممين وتنافسهم للحصول على قطعة من الكعكة وإن كانت مخاوف كثيرة تحيط بالأسبوع وتهدد استقراره، بدءا من مكانه إلى توقيته.
فعندما انطلق الأسبوع يوم الخميس الماضي، كان في الحقيقة إشارة إلى انطلاق شهر طويل من العروض التي لن تنتهي إلى الثالث من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. فيوم الجمعة المقبل سينتقل صناع الموضة والمتابعون إلى لندن ثم ميلانو لتنتهي دورة الموضة لربيع وصيف 2014 بباريس. وهذا يعني في لغة المتفرجين من بعيد، شهرا من الفعاليات المثيرة كلها بريق وترف، لكن للعارفين والعاملين، عملية متعبة ومكلفة لكن ضرورية لتسويق بضائعهم. منذ بدايتي في عالم الموضة وأنا ألاحظ أن أماكن العرض تزيد اتساعا لكي تستوعب أكبر عدد ممكن من الحضور، الأمر الذي يثير حفيظة بعض الزبونات المخضرمات اللاتي يتحسرن على أيام زمان ويتذمرن من تسارع إيقاع العروض الجديد وطغيان الجانب التجاري عليها. فما كان في السابق مجرد عروض صغيرة في صالونات حميمة تشعر فيها المدعوات ومحررات الأزياء بأهميتهن نظرا لعددهن المحدود والمنتقى بشكل كبير، أصبح اليوم أشبه بالمهرجان المفتوح، قد يصل فيه عدد المدعوين إلى أكثر من 3000 شخص أحيانا، ما بين مشترين وزبائن ومحرري أزياء ومدونين ومصورين وغيرهم. ماركة «أوبنينغ سيريموني» مثلا، اختارت هذا الموسم مكانا وسط نيويورك تقدر مساحته بـ19.000 قدم مربع، حولته إلى شبه مجمع تجاري مؤقت يعج ببائعي الوجبات الغذائية والموسيقى ومحلات مؤقتة مثل «دي كي إن واي» ومجموعة الأزياء التي صممتها المغنية ريهانا لمحلات «ريفر آيلاند» البريطانية وغيرها. الفعالية من شأنها أن تجذب عددا كبيرا من المهتمين بالموضة، وتحقق للماركة الكثير من الانتباه من قبل الجيل الصاعد خصوصا، لكنها لا تروق للكل، لأنها تجسد ما يرونه تحولا غير إيجابي لهذه العروض. في عام 1941، لم يتعد عدد محرري الأزياء في أسبوع نيويورك، الذي يبلغ من العمر 70 عاما فقط، الـ30 شخصا، وفي عام 1958 وصل إلى 200، أما الآن فإن العدد يقدر بالآلاف. كلما سألت المصممين عن هذا التزايد، يعيدونه إلى ظهور مجلات جديدة في كل عام، وإلى الأسواق النامية المتعطشة لمعرفة آخر صيحات الموضة. كما يعيدونه إلى تغلغل الموضة في صميم الثقافة الشعبية، إذ إن الموضة الآن تجذب كل الأجيال والطبقات؛ تقبل عليها المرأة الغنية بقدر ما تقبل عليها فتاة صغيرة تحلم بقطعة مستنسخة بسعر زهيد من محلات الموضة الشعبية التي أتقنت فن تقليد كل ما يعرض على منصات الأزياء بمجرد بثها على مواقع الإنترنت. ما لا يقولونه بفصيح العبارة أن دعوتهم لأكبر عدد من الضيوف سببه الاستفادة التامة من المناسبة، وتبرير الميزانية التي يتكلفها عرض لا تتعدى مدته الـ15 دقيقة على أكثر تقدير.
وإذا كانت هذه ظاهرة عامة في كل أسابيع الموضة العالمية، إلى جانب التوقيت غير المريح، كونها محشورة بعضها في بعض من دون يوم راحة واحد يلتقط فيه المتابعون أنفاسهم ويشحذون فيه طاقتهم، إلا أن أسبوع نيويورك يعاني أكثر من هذه المشكلة بسبب تزامنه مع ذكرى الحادي من سبتمبر (أيلول) من جهة، ورأس السنة العبرية من جهة ثانية. ومع ذلك يمكن القول إن التوقيت آخر هم لأسبوع نيويورك، الذي يعاني مشكلة أكبر تتعلق بمكان إقامته. فمنذ انتقاله إلى مركز لينكولن في عام 2010، بعد 15 عاما في «براينت بارك»، لم يفقد بالنسبة لي البريق والصخب اللذين كان يستمدهما من حضور نجوم عالميين فقط، بل يثير غضب سكان المنطقة المحيطة بمركز «لينكولن» ممن اعتبروا هذه العروض وما يصاحبها من ازدحام وصخب، مصدر إزعاج لهم وتلويثا للشوارع الرئيسة والجانبية، ووصل الحد بهم إلى رفع دعوى قضائية في شهر مارس (آذار) الماضي، يتهمون فيها مدينة نيويورك باستعمال المركز والحديقة المحيطة به لأغراض وفعاليات تجارية بشكل غير قانوني، مما يهدد بانتقاله مرة أخرى إلى مكان غير معلوم لحد الآن. وإذا حصل هذا الأمر، فإن الكثير من المصممين لن يتحسروا على المركز بقدر ما يتحسرون حاليا على زمن «براينت بارك»، الذي شهد فترة ذهبية. فالأجواء الحالية يشبهها بعضهم بصالة مطار تعج بالناس أو سوق شعبية، رغم أن الذين يعرضون فيه لا يتعدون الثلث، وأغلبهم مضطر إلى ذلك، مثل المصممة أنا سوي، التي صرحت لصحيفة «نيويورك تايمز»: «نشعر كما لو أننا في أرض غيرنا، وفي كل موسم أفكر في أن أعرض في مكان آخر، لكني بصراحة محكومة بالناحية المادية». ما تقصده المصممة أن المكان أرخص من غيره، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار التكاليف الإضافية، مثل الإضاءة والصوت ومواصلات العارضات وغيرها. الحل الذي بدأ البعض ينتهجه هو تقليص عدد المدعوين واختيار أماكن صغيرة، أكثر حميمية، في محاولة لتقليص ميزانيتهم من جهة، ولإعادة أجواء الزمن الجميل من جهة ثانية، حين كانت عروض الأزياء نخبوية تعبق بالسحر والغموض، وقبل أن تدخل الإنترنت على الخط بغرض دمقرطة الموضة واستقطاب أكبر عدد من الزبائن. المخضرم أوسكار دو لارونتا قال إنه حدد عدد الدعوات بـ350 فقط، إذ «ليس من المفترض أن يمر الضيوف من أمام 30.000 شخص و10.000 آخرين يحاولون التقاط صور لأشخاص لا علاقة لهم بالأزياء»، قاصدا النجوم الذين يجذبون الباباراتزي وتسلط عليهم الأضواء أكثر من الأزياء أحيانا.
TT
«أسبوع نيويورك».. غضب السكان يخلق أزمة مكان
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
