التقديم السلبي للإسلام والمسلمين

التقديم السلبي للإسلام والمسلمين

الأحد - 23 رجب 1442 هـ - 07 مارس 2021 مـ رقم العدد [15440]
علي العميم
كاتب وصحافي سعودي

الثيمة النقدية التي تكررت في مقالي الدكتور حمزة قبلان المزيني: (هل قالها غلادستون؟!) و(لم يقلها غلادستون) اللذين ناقش فيهما صحة العبارة المنسوبة إلى غلادستون عند الإسلاميين العرب، هي أن العبارة لم تعز في كتبهم وبحوثهم ومحاضراتهم ومقالاتهم وخطبهم إلى مصدر أولي وردت فيه أول مرة. وقد كرر هذه الثيمة النقدية في مقتطف من مقتطفاته التي ردّ بها على ردي على مقاله (دراما العميم)، وذلك حين أورد صيغتها الأولى الغائرة عند رشيد رضا، وعلق عليها قائلاً: «ولم يذكر مرجعاً».
استعمل الدكتور حمزة هذه الثيمة النقدية واتكأ عليها اتكاء مسرفاً، اعتقاداً منه أنه بواسطتها سينفي صحة العبارة المنسوبة إلى غلادستون عند المصدقين بها. والمصدقون بها هم جمهور الكتاب الإسلامي وعموم المتدينين وذوو النزعة الدينية والمنغلقون في ثقافتهم على التراث العربي الإسلامي.
وعلى غير ما يعتقد، فإنني أرى أن ثيمته النقدية هذه غير مثمرة وغير فاعلة مع الفئة الأولى والفئة الثانية لسبب سأشرحه الآن.
نشأ منذ أوائل القرن الماضي في التنظير للإسلام ودعوة المسلمين إلى الإسلام دعوة جديدة في العالم الإسلامي، طرح أسميه التقديم السلبي للإسلام والمسلمين. هذا الطرح برز في منتصف القرن الماضي، وكان وراء بروزه أدبيات الحركات الإسلامية حول الإسلام والمسلمين والغرب. وقد ساد هذا الطرح وهيمن وطغى على الفكر الإسلامي الحالي ابتداء من سبعينات القرن الماضي إلى يومنا هذا.
دعوة المسلمين إلى الإسلام دعوة جديدة، لم تكن دعوة مجددة أو تجديدية له، بل كانت «دعوة ثانية» للإسلام. فهي بطريقة ملتوية ومخاتلة ومداورة مضمخة بـ«وحي وتنزيل جديد»، تسعى إلى استئناف عصور إنزال الدعوات النبوية وبعث الأنبياء، والتي كان الإسلام خاتم دعواتها ورسالاتها ومحمد بن عبد الله خاتم أنبيائها ومرسليها.
بث هذا المنحى في الإسلاميين وفي المتدينين ونظّر له وعمّقه عندهم - على التوالي - أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وسيد قطب. هؤلاء الثلاثة لجأوا إلى تلك الطريقة الملتوية والمخاتلة والمداورة، لأنَّ موقف المذهب السني - الذي هو مذهبهم الديني - حازم وقطعي في مسألة اكتمال النبوة وختمها، وهم - إن صرّحوا بـ«دعوتهم الثانية» للإسلام - فسيكونون منشقين عن الإسلام ومؤسسين لمذهب ديني مستقل لاهوتي عن الإسلام السني، كما هو حال المتنبئ والمدعي أنه المسيح المخلّص والمنتظر، ميزرا غلام أحمد الذي أسس المذهب القادياني عام 1889.
الأثر الذي صنعه هؤلاء الثلاثة في الفكر الإسلامي الحديث، أن جمهور الكتاب الإسلامي بات ينظر إلى مقولات هذا الكتاب ويتعامل معها وكأنها خطاب نبوي مقدس، وينظر إلى الخطابات الأخرى، ويتعامل معها بوصفها خطاباً شيطانياً مدنساً.
لهذا يؤمن الإسلاميون والمتدينون أتم الإيمان، بأن «الإسلامي»، لا يكتب إلّا حقاً، ولا يحدّث ولا يخبر ولا يقول إلا صدقاً.
ما سميته التقديم السلبي للإسلام والمسلمين، أعني به التنظير للإسلام على أنه ضحية لمؤامرة كبرى طوال تاريخه، تستهدف القضاء عليه ومحوه من الحياة والوجود، وأن المسلمين محاطين بالأعداء والأشرار والماكرين والغادرين، إحاطة السوار بالمعصم أبداً ودوماً إلى أن تقوم الساعة. وأن الغرب هو الغرب، في عصوره الدينية وفي عصوره العلمانية.
هذا الهذيان الكربلائي كان لإثبات أنَّ الإسلام دين صحيح وعظيم، ولتعزيز آصرة الانتماء إليه فكراً وسلوكاً، في ظل تحديات علمية وتكنولوجية وثقافية وسياسية واجتماعية باهرة ومتوالية منذ أن هبط علينا العصر الحديث بتنظيمه العصري ومنظومته الحداثية، رغماً عنا.
ولأن الدولة في العالم العربي وفي العالم الإسلامي أقبلت على الأخذ بشيء من الحداثة الغربية، أفكاراً وتنظيماً وأساليب ووسائل، بقدر متفاوت ما بينها، فهذه الدولة في الطرح الإسلامي المشار إليه، دولة متواطئة مع الغرب المتآمر في عدائه للإسلام وعدوانه المستمر عليه وعلى أهله، فسهلت له مهمته الخبيثة والشريرة. وعداء هذه الدولة للإسلام مبعثه أمران: الأول، أنها صنيعة المستعمر، وأنها بعد حركات الاستقلال عن المستعمر تحول بعضها إلى عميل للغرب الرأسمالي الليبرالي وتحول بعضها الآخر إلى عميل للاتحاد السوفياتي الاشتراكي الشيوعي. والآخر، عداء أصلي، وبمبادرة ذاتية واختيار طوعي، لانحراف نخبها السياسية عن الإسلام، وانهزامها النفسي والروحي والفكري أمام الأفكار الغربية.
وهذه الدولة في عدائها للإسلام - من منظورهم - لا تقل عن عداء القوى الدولية له. والفرق بينهما في العداء هو أنَّ القوى الدولية عدوة للإسلام من الخارج، وأن الدولة في العالم العربي وفي العالم الإسلامي عدوة للإسلام من الداخل. وهنا عندهم مكمن خطورتها على العرب والمسلمين. إذ إنها مكّنت العلمانية والقومية والليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والاشتراكية والشيوعية والوجودية وتحرير المرأة والتبشير والصليبية والماسونية والثقافة والفكر الغازي والأدب الإباحي والمسرح الضائع والفن المنحل... إلخ. من التسلل إلى ديار العرب وديار المسلمين لتقويض إسلام المسلمين من الداخل.
هذه المواجهة الهدامة التي خاضوها مع الدولة في العالم العربي وفي العالم الإسلامي، خاضوها أيضاً مع المجتمع الإسلامي في العالم العربي وفي العالم الإسلامي. فلقد شككوا في إسلامه وقالوا بردته عن الإسلام وكفره وجاهليته، كفراً وجاهلية حديثة. فالمسلمون إسلاماً حقاً عند الإسلاميين هم فقط، ومن تبع «دعوتهم الثانية» للإسلام.
ادعاء الإسلاميين - اعتماداً على نظرية المؤامرة - أنَّ الإسلام والمسلمين محكوم عليهما بالمظلومية التاريخية والمأساوية الوجودية، دفعهم إلى خلق أدلة زائفة ليصدق المسلمون العرب وغير العرب ادعاءهم.
اللافت أن نظرية المؤامرة الرثة التي يعتمدون عليها في التنظير للتاريخ وتفسير الواقع القديم والواقع الحديث، ليس لها أصل نظري في الكتابات التاريخية الإسلامية الكلاسيكية، رغم أنهم أصحاب تفسير إسلامي خالص للتاريخ، كما يتباهون بذلك ويختالون.
نظرية المؤامرة الرثة استعاروها من الغرب الذي هو عندهم متآمر على الإسلام والمسلمين، وتحديداً استعاروها من اليمين المسيحي الغربي. وفي هذه الاستعارة تناقض نظري، ولا عجب في هذا، فالتناقض النظري من خصائص الطرح الإسلامي، والتناقض العملي من شيم الإسلاميين.
في الأدبيات الغربية اليمينية المسيحية المترجمة إلى اللغة العربية والتي نقل الإسلاميون منها تلك النظرية الرثة، اليهود هم الطرف المتآمر، والمجتمع المسيحي هو الطرف المتآمر عليه. الإسلاميون ضموا الطرف المتآمر إلى الطرف المتآمر عليه، وعقدوا بينهما عروة وثقى في التآمر التاريخي المستمر على الإسلام والمسلمين. وضموا إليهما أطرافاً شتى. ومن هذه الأطراف الشتى، حكومات وسياسيون وتيارات وحركات وأحزاب وأدباء ومثقفون في العالم العربي وفي العالم الإسلامي.
وكما غررت نظرية المؤامرة المؤسلمة بجمهور الكتاب الإسلامي وبعموم المتدينين وبقطاع من المسلمين العاديين، فلقد غرر بهم أيضاً، تقديم الإسلاميين خطابهم وتقديم أنفسهم من خلال مناقبية أخلاقية عالية، غش هؤلاء تفسيرهم للتاريخ والسياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة والأدب تفسيراً أخلاقياً، فصدقوهم في كل ما يزعمون وما يفترون.
المصيبة ليست في أن ذلك التقديم هو تقديم غير موضوعي، وليس في أن ذلك التفسير هو تفسير غير علمي وغير واقعي، بل هي في أنَّ أدبيات الإسلاميين محشوة بركام من الكذب والتلفيق والتزوير. وما العبارة المنسوبة إلى غلادستون كذباً إلا غيض من فيض.
إلى جانب أنَّ ثيمته النقدية التي استعملها غير مثمرة وغير فاعلة في إقناع جمهور الكتاب الإسلامي وعموم المتدينين بأن غلادستون لم يقل العبارة المنسوبة إليه، هي ثيمة خاطئة، للأسباب التالية:
- جمهور الكتاب الإسلامي وعموم المتدينين، والإسلاميون عامة الحزبيون منهم وغير الحزبيين ليسوا تجمعاً أكاديمياً، يجتمعون في حلقة نقاش ضيقة أو في ندوة علمية عامة، للتدارس حول أبحاث متخصصة مقدمة خصيصاً لحلقة نقاش أو ندوة عامة، والتي يجب في كتابتها أن تراعى الضوابط المنهجية الشكلية.
- الكتاب الإسلامي كتاب ديني آيديولوجي عام، وليس أطروحة أكاديمية مكتوبة بغرض نيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه، وليس هو في أصله بحوثاَ منشورة في مجلات علمية محكمة. والكتاب الآيديولوجي أيَّا كان موضوعه واتجاهه يجب ألّا يكون مثقلاً بكثرة الإحالات إلى المصادر والمراجع لكي يتيسر لعامة الناس أن تقرأه. وكذلك الكتاب العام سواء أكان كتاباً دينياً أم سياسياً أم أدبياً أم ثقافياً أم اجتماعياً أم في أي فرع من العلوم الإنسانية أم في فرع من العلوم المحضة.
الكتاب الإسلامي أصلاً موضوعاته مكررة. فما قاله مؤلف إسلامي في كتاب له - هذا إذ كان ألّف كتاباً أساسياً عند الإسلاميين - قاله قبله عشرات المؤلفين الإسلاميين. وما قاله في كتابه الأساسي عندهم يقوله مئات المؤلفين الإسلاميين بعده. كذلك فإن كثيراً من كتبهم متشابهة ولا تختلف عن بعضها إلا في أسلوب المؤلف وفي ترتيب وتنسيق الموضوعات. وهم ينقلون من بعضهم أحياناً مع إحالة وأحياناً من دون إحالة. والنقل من دون إحالة لا يثير عندهم خلافات حول الحق الأدبي للمؤلف المسروق من كتابه.
العبارة المنسوبة إلى غلادستون هي عبارة شائعة في الكتب والأبحاث والمحاضرات والمقالات الإسلامية، وفي الخطب الدينية. لذلك ليس على من ذكرها أن يحدد المصدر الذي نقلها منه. وكذلك هو الأمر عموماً في أي عبارة سائرة أو فكرة مترددة أو معلومة عامة.
إنَّ الدكتور حمزة المزيني لو كان تتَّبع ورود العبارة المنسوبة إلى غلادستون في رسائل الماجستير والدكتوراه التي كتبها الإسلاميون، فلاحظ أنَّها لا تعزوها إلى مصدر أصلي، لكانت هذه الملحوظة تصلح أن تكون ثيمته النقدية في نقاشه مع الإسلاميين حول صحة العبارة المنسوبة إلى غلادستون.
كان على الدكتور حمزة المزيني أن يطرح ملحوظته تلك على ترجمة عمر فروخ لكتاب محمد أسد (الإسلام على مفترق الطرق) لأنَّه المصدر الذي نقل الإسلاميون العبارة منه في صيغتها الهندية الثانية، ولأنَّه عالم ومثقف ثبت مستمسك بأصول البحث العلمي وقواعده. لكن لا يطرحها على أنور الجندي وعلى محمد قطب أول من نقلها منه من الإسلاميين العرب، لأنهما في الأساس لا يهتمان بالناحية المستمسك بها عمر فروخ، وإن يشير إلى معلومة وهو يتتبع السياق الزمني للعبارة، أنهما أخذاها منه من دون الإشارة إليه.
في بحثي الدكتور يوسف حسين عمر المحكمين: «غلادستون والمسألة البلغارية (1875 - 1876»، و«غلادتسون والمسألة الأرمنية (1894 - 1896)» اعتمد صاحبهما على الاقتباس المباشر على كم هائل من المصادر الأجنبية، ومع هذا قام بالدس والتدليس والتحايل لتأكيد العبارة المنسوبة إلى غلادستون بطريقة غير مباشرة.
وصفت صيغة العبارة الأولى عند رشيد رضا بالغائرة، وأقصد بهذا أنَّها غير حاضرة عند الإسلاميين، لأنَّهم يجهلون أنَّها وردت عنده. لأنَّهم في عقود القرن الماضي يجهلون كثيراً من مقالاته.
كما يجهلون ورودها عند أحمد أمين في كتابه (يوم الإسلام) المنشور في عام 1952، لأن كتابه هذا ليس من بين إسلامياته التي قرأها الإسلاميون.
أنور الجندي ومحمد قطب اللذان أدركا أحمد أمين وهما شابان وفي مستهل عملهما في الكتابة، لا شك عندي أنَّهما قرآها عنده، لكنهما كانا قبل مدة وجيزة قرآها في كتاب عمر فروخ المترجم، فأعجبتهما صيغتها في الكتاب المترجم، وزهدوا في صيغتها عند أحمد أمين الذي نقلها من رشيد رضا من دون أن يشير إلى ذلك. وكان أحمد أمين في مقدمة كتابه نبّه القارئ إلى أنَّه أصيب في عينه، فما عاد قادراً على القراءة. لذلك فكتابه مبني على مطالعات سابقة، مما ادخر في ذهنه على توالي الأيام.
يستلفت النظر في صيغة العبارة عند رشيد رضا، وهي «وجوب إعدام القرآن... وجوب تطهير أوروبا من المسلمين» أنها صيغة ركيكة. والجملة الأولى فيها أكثر ركة من الجملة الثانية. فالإعدام - وهو اسم مستحدث في اللغة العربية - لا يكون إلا في الكائن الحي. أما الكتب فهي تمزق أو تحرق أو تتلف بإغراقها في الماء.
إنَّ هذه الصيغة الركيكة تشي بأنَّه سمعها من أتراك، فألهبت حماسه الديني. وكتبها كما سمعها منهم حرفياً أمانة منه في النقل. فالعبارة في الأصل اخترعها الأتراك بسبب حملات غلادستون السياسية الشرسة والعنيفة على الأتراك، وإظهار بغضه الشديد وكرهه العميق لهم في المسألتين البلغارية والأرمنية.
يقول الدكترو يوسف حسين عمر نقلاً عن مصدرين أجنبيين في بحثه عن غلادستون والمسألة الأرمنية «في 19 مايو (أيار) 1898 توفي غلادستون الذي كان معروفاً عند معجبيه الأرمن باسم غلادستون العظيم بمرض السرطان عن عمر قارب 89 عاماً، حيث منعت السلطات العثمانية الصحف المحلية من تغطية خبر وفاته، أو نشر أية تغطية له على صدر صفحاتها، بسبب إساءاته المتكررة إلى السلطان وعموم الأتراك». وللحديث بقية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة