«تويتر» وديكتاتورية التكنولوجيا

«تويتر» وديكتاتورية التكنولوجيا

الأحد - 4 جمادى الآخرة 1442 هـ - 17 يناير 2021 مـ رقم العدد [15391]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

أصابتني القشعريرة لمنع «تويتر» وبقية محيطات التواصل الاجتماعي عشرات الآلاف من الحسابات بداية بحساب الرئيس دونالد ترمب. ليس فقط لأنها، وبقية الصحافة (المسموعة والمقروءة والمرئية)، لم تكن محايدة مع المستهلك الصحافي والمستخدم - «تويتر» وضع رقابة على 100 تغريدة لترمب (من 2 إلى 14 نوفمبر/ تشرين الثاني) ولم تراقب أياً من تغريدات منافسه جو بايدن. وليس لأن المتحكمين في هذه الوسائل صغار السن (أكبرهم عمره أقل من ثلثي خبرتي الصحافية) يرفضون مبدأ التعددية (90 في المائة من تبرعاتهم السياسية كانت لحملة جو بايدن، و10 في المائة للمرشحين الديمقراطيين وصفر لحملة ترمب والجمهوريين). لا، بل لشطب «أمازون»، كشركة مضيفة، لخدمة «بارلر» (Parler)، التي أطلقها مواطنون منعهم «تويتر» و«فيسبوك»، لأنهم من مؤيدي ترمب، فقد ذكرني ذلك بحرق النازي للكتب فور وصوله إلى السلطة، ويستطيع كارتيل التكنولوجيا والمعلومات خراب بيت من لا يعجبهم، فبلا مواقع على الإنترنت لا يمكن الحصول على دخل الاشتراكات والإعلانات!
اتفاق موقف «تويتر»، و«فيسبوك»، و«إنستغرام»، و«أمازون»، و«يوتيوب»، و«غوغل»، و«آبل»، و«سناب - شات»، و«تويتش»، و«شوبيفي»، و«ريديت»، و«تيك توك»، و«بينتريست»، و«سترياب»، و«أوكتا»، و«تويليو»، ذكرني بصيحة الرئيس الراحل أنور السادات «دي مؤامرة» (عندما تجمع المسؤولون في الدولة العميقة وقرر من سماهم «مراكز القوى» لمنعه من مخاطبة الشعب عبر الإذاعة والتلفزيون وراقبوا خط التليفون في بيته).
ماذا لو كونت شركات الأدوية «كارتيل» احتكار فاكسين (مصل) «كوفيد - 19» لتحدد ثمنه أو تمنعه عن الخصوم؟ أو بقية أدوية لا غنى للجسم البشري عنها كالإنسولين وأدوية القلب والمضادات الحيوية؟
هذا ما يفعله احتكار «كارتيل» لتكنولوجيا المعلومات والمنابر مع أدوية علاج وغذاء العقل البشري والديمقراطية، وهو حرية التعبير، مثلما اتضح مع «بارلر».
عندما جادل اليساريون والليبراليون بأن «تويتر» و«فيسبوك» مثل نادٍ، إذا لم تعجبك شروط العضوية، فاذهب إلى نادٍ آخر، فإذا بمالك الأرض (أمازون) الذي أجرها للنادي الآخر (بارلر) بعقد 99 عاماً وتسلم الإيجار، قرر طرد المستأجر بلا سابق إنذار.
القضية ليست شخص الرئيس ترمب نفسه، وإنما المبدأ. زعماء المفوضية الأوروبية، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، على سبيل المثال لا الحصر، وهم ليسوا بأي حال من الأحوال من جوقة المصفقين للرئيس ترمب، أبدوا انزعاجهم من المشكلة التي خلقتها «تويتر» وأخواتها في سابقة تقشعر لها الأبدان، ليس فقط باستهداف أحد أهم أسس الديمقراطية كحرية التعبير، بل في قضيتين قانونيتين أساسيتين؛ أولاهما مسألة الاحتكار الذي يناقض مبدأ حرية السوق (ولا تنفصل عن التطور الديمقراطي)، وثانيتهما عبور الخط الذي يفصل بين المنابر (أو محيطات التواصل والتعبير)، والناشر الذي يشمل الصحافة بكل أنواعها.
بالنسبة للاحتكار، والمسألة هنا تتعلق بأسس الديمقراطية، لن أستشهد بأقوال ليبرتاريين مثلي، بل بأحد أهم مفكري اليسار الاشتراكي، ومن أعظم البرلمانيين والديمقراطيين في القرن العشرين، الوزير والسياسي العمالي الراحل توني بن (1925 - 2014) وأسئلته الخمسة الشهيرة عن السلطة وأي شخص أو مؤسسة تتحكم في حياة ومصائر البشر في الأنظمة الديمقراطية، ولنحاول تطبيقها على أصحاب ومديري شركات التكنولوجيا الذين اتضح أنهم أقوى من الرؤساء والحكومات والدول، لاحتكارهم المعلومات وسهولة انسيابها على الإنترنت.
- ما السلطات والصلاحيات التي بيدك؟
- ما مصدر هذه الصلاحيات؟
- لمصلحة من تمارس هذه السلطات والصلاحيات؟
- ما الجهة التي تحاسبك؟
- كيف يمكن إزاحتك عن السلطة؟
السؤال الأول النظام الأساسي (الدستور) يحدد الصلاحيات في أغلب دول العالم، «لكنها مطلقة بلا حدود» في حال شركات التكنولوجيا. الأسئلة من الثاني إلى الخامس، إجابتها السياسية «الشعب» (ممثلاً في البرلمان)، في حال شركات التكنولوجيا تمارس سلطتها لمصلحة مالكيها وليس لمصلحة الشعب، الذي لم يمنحها صلاحيات، ولا يستطيع محاسبتها، ولا يمكنه إزاحتها عن السلطة في صناديق الاقتراع كحال الحكومة.
أكثر ما يزعجني كصحافي هو جهل الغالبية العظمى من الصحافيين بالفرق بين (platforms) منابر أو محيطات كـ«تويتر» (كصاحب الأرض في المثال أعلاه) ودور النشر. وتذكرت أبو حرية الصحافة وعملاق فليت ستريت اللورد ألفريد نورثكليف (1865 - 1922) وتعريفه للخبر الصحافي بأنه «معلومة يحاولون منعها من الخروج للعلن، وما عدا ذلك فهو ركلام (دعاية)»، منع المحرر نشر الخبر، رقابة، أما إغلاق الشوارع أمام شاحنات نقل الصحيفة للأكشاك فتمارسها الأنظمة الفاشية والشمولية. فعندما انطلقت الإنترنت في التسعينات استبشرنا خيراً بديمقراطية المعلومات وشبهناها باختراع غوتنبرغ للطباعة، وإنهاء منابر التواصل الاجتماعي لاحتكار أمثال بي بي سي، وميردوخ، وبيل غيتس لبث المعلومات، ثم نفاجأ بأصحاب «فيسبوك» و«تويتر» يلعبون دور مليونيرات الصحافة رغم أنهم بأنفسهم طلبوا الاستثناء من القانون لأنهم ليسوا بدور نشر.
المادة الثلاثون من الباب الثاني في القانون الفيدرالي للنشر والمعلومات الذي أصدره الكونغرس قبل عقدين، استثنى هذه المنابر من المحاسبة القانونية والمسؤولية عما ينشر فيها نقلاً عن صحف أو تغريدات أو بوستات، فليس لها دور تحريري كدور النشر، فهي لا تطبع كتباً وصحفاً ولا تبث برامج إخبارية.
وهي مثل ركن الخطابة (speakers corner) في حديقة هايدبارك أمام ماربل آرش في لندن كمؤسسة بريطانية عريقة وركيزة ديمقراطية للتعبير الحر، حيث يقف المتحدثون بعد ظهر كل يوم أحد للتعبير بحرية تامة. تصور أن رجل بوليس يطلب من كل متحدث أن يريه مقدماً نص الخطبة التي سيلقيها (خشية جرح مشاعر سكان وستمنستر حيث يوجد الركن جغرافياً)، لو حدث هذا تستقيل رئيسة حكمدارية بوليس العاصمة، ووزيرة الداخلية نفسها.
هذا هو الفارق، الذي غاب عن أكثرية الصحافيين فهمه. محيطات التواصل الاجتماعي مثل الهايدبارك، والبوستات والتغريدات مثل الخطب فيها، وممارستها دور الرقيب ومحرر الديسك هو خرق للقانون الذي تحتمي بظله.
أسهم شركات التكنولوجيا هبطت بأكثر من 69 مليار دولار منذ منع ترمب، لكنها نقطة في بحر بالنسبة لثرواتهم؛ توازنات السوق وحدها لا تكفي في غياب المنافسة، فلا بد من تطبيق قوانين الاحتكار وإجبارها على تفكيك سيطرتهم على محيطات المعلومات. الخطورة تغلغلهم في صفوف الديمقراطيين، وهم أغلبية في الكونغرس، وقد تعميهم كراهية ترمب عن رؤية خطورة احتكار المعلومات بحيث يكونون عاجزين أمام الوحش التكنولوجي عندما يحين دورهم للوقوع بين أنيابه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة