خطوة دستورية... سلاسة انتقال الحكم وترسيخ الاستقرار

خطوة دستورية... سلاسة انتقال الحكم وترسيخ الاستقرار

السبت - 3 جمادى الآخرة 1442 هـ - 16 يناير 2021 مـ رقم العدد [15390]

في خطوة تاريخية، أصدر السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان قرارات ومراسيم مهمة غير مسبوقة في تاريخ عُمان الحديث، تضمنت استحداث منصب ولي العهد، ليدشن مرحلة جديدة تمس حياة ومستقبل عمان وشعبها وأجيالها القادمة، وقوبلت باحتفاء وترحيب شعبي لافت، فما يجري في مسقط اليوم هو بمثابة توجه جاد للقيادة الجديدة إلى إحداث تغيير فعلي وشامل على الأصعدة كافة، خصوصاً والبلاد تنعم بحالة من باستقرار سياسي وتناغم مجتمعي.
قبل أكثر من 3 عقود، أذكر أنني كنت أدرس اللغة الإنجليزية في إحدى المدن البريطانية، وفوجئنا حينها بالأعداد الوافدة الكبيرة من الشباب العماني التي قدمت للمدينة والتحقت بكثير من مدارس اللغة الإنجليزية. كان المشهد يتكرر آنذاك في كثير من المدن البريطانية، كما علمت لاحقاً، وبالتأكيد كان هذا مؤشراً إلى أن عمان تُعد العدة لصناعة جيل واعٍ ومتعلم وجاهز للبناء والتنمية، بدليل ما نلمسه في الشعب العماني من صورة حضارية تعكس بحق العمل الحقيقي الذي بذل، والمشاركة الشعبية، وتُكرس التعايش والتسامح في أبلغ صورة اجتماعية.
بعد توليه بفترة قصيرة، أصدر سلطان عمان هيثم بن طارق حزمة من المراسيم السلطانية تترجم الرغبة في التطوير والحوكمة ونقل بلاده إلى مرحلة جديدة حيث تضمنت إلغاء قوانين وإعادة هيكلة بعض الوزارات واستحداث أخرى، فضلاً عن تعديلات وزارية شملت حقيبتي الخارجية والمالية، حيث غادر الوزير المخضرم يوسف بن علوي، بعدما قضى نحو 4 عقود في منصبه.
في حين أن صدور هذين المرسومين تزامن مع ذكرى تولي السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم في 11 يناير (كانون الثاني) الماضي، وجاءت مبادرة لها دلالات واضحة ورمزية لافتة، وتؤسس لتلك اللحظة التاريخية في هذه المناسبة السنوية.
الأول إصدار النظام الأساسي للدولة، وذلك بـ«وضع آلية محددة ومستقرة لانتقال ولاية الحكم في السلطنة، ووضع آلية تعيين ولي العهد، وبيان مهامه واختصاصاته». والثاني إصدار قانون مجلس عمان، الذي يتكون من مجلس الشورى المنتخب ومجلس الدولة المعين. ووفق النظام الجديد، سيصدر أمر سلطاني بتعيين ذي يزن بن هيثم آل سعيد ولياً للعهد (30 عاماً)، باعتباره أكبر أبناء السلطان سناً، وهو حالياً وزير للثقافة والرياضة والشباب في عمان.
ثمة قرارات نوعية وتغييرات جذرية تضمنتها المراسيم الأخيرة عززت مفاهيم مهمة كالشفافية والمحاسبة والعدالة والمضي قدماً في تحقيق رؤية عمان 2040 التي تعكس حجم الطموح لمستقبل شعب ودولة مهمة كسلطنة عمان.
الحقيقة ما يحدث في أنظمة دول الخليج يستحق الإشادة والإعجاب، ويؤكد أنها قادرة على قراءة المستقبل، بدليل رهانها على الزعماء الشباب الذين بمقدورهم نقل بلدانهم لمرحلة جديدة تتعاطى مع لغة المستقبل. التجربة السعودية خير مثال على ذلك حيث يؤكد حضور ولي العهد الأمير الشاب محمد بن سلمان اللافت وما يقدمه لبلاده قصة يجب أن تروى، بدليل أنه جعل بلاده تحت الأضواء وعلى الخريطة الدولية بشكل إيجابي، وتلاشت الصورة النمطية عنها، فولي العهد الأمير محمد بن سلمان جاء في اللحظة التاريخية المناسبة للسعودية من أجل نقلها لمرحلة مهمة وضرورية، فالسعودية التي كانت توصف بأنها دولة شديدة المحافظة تعيش اليوم حراكاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لتصبح دولة عصرية ومدنية.
القراءة الموضوعية لما حدث في عُمان ترى أنه عندما تولى السلطان الجديد سدة الحكم، استشعر مسؤولياته واستشرف المستقبل البعيد، فأقدم على تطوير نظام الحكم وغلق الثغرات، فالوضع السابق كان مقبولاً وفق ترتيبات معينة ومعروفة يقوم بها مجلس العائلة المالكة، وذات صيغة متفق عليها إبان فترة مؤسس عمان الحديثة الراحل الكبير السلطان قابوس بن سعيد (لم يكن له وريث في الحكم)، وبالتالي الظرف ودقة المرحلة الراهنة تتطلبان قراءة جديدة تراعي الاستحقاقات المقبلة والمتغيرات الراهنة داخلياً وإقليمياً ودولياً، وهذا يعني مواجهة ما قد ينشأ من ظروف واحتمالات تهدد بفراغ دستوري، ما يستدعي ترسيخ مؤسسة الحكم واستمراريتها بفاعلية لتحقيق مصالح السلطنة وحماية وحدتها الوطنية.
ما يمكن قوله عن خطوة السلطان الدستورية؛ إنها تمثل نقلة نوعية لترسيخ الاستقرار لسلطنة عمان الحديثة، وسيذكر التاريخ للسلطان الحالي ما أقدم عليه من خطوة تمثل صمام أمان في منطقة متوترة بطبيعتها. واللافت أن المراسيم المتعلقة بآليات انتقال الحكم وطريقة تعيين ولي العهد جاءت في وقت لا يعاني فيه البلد من أزمات سياسية أو ضغوط، أياً كانت طبيعتها، وكان بإمكان السلطان التغاضي عن الدخول في طرح هذا الملف الشائك، وتركه للأجيال القادمة، ولكن هنا تبرز حنكة الزعماء وقدرتهم على اتخاذ القرارات الحاسمة طالما أنها تصبّ في ضرورات الدولة والمجتمع، فالتقاليد التاريخية والتوافقات ليست بالضرورة تكون مجدية في المستقبل كما كانت عليه في الماضي مثلاً، رغم أهميتها كموروث اجتماعي، لأن ثمة ضرورة بوضع آليات تعزز استقرار البلاد وتكرس ديمومة انتقال السلطة بسلاسة، خصوصاً أن تركيبة الحياة باتت معقدة ومتشابكة، وعمان مثلها مثل غيرها لا تعيش بمعزل عن الآخرين، والأمر يتعلق بمستقبل أجيال واستقرار وطن، وهذا ما يبدو عليه توجه القيادة في العهد الجديد.
الشعب العماني فريد ونموذج يحتذى لأسباب كثيرة؛ أهمها التسامح والتعايش والتوازن المنشود الذي يتحلى به في الجوانب العلمية والثقافية والاجتماعية. كعضو سابق في مجلس الشورى السعودي، وخلال الـ12 سنة الماضية، التقيت بنخب ثقافية وبرلمانية عمانية، وكنت وما زلت معجباً بالشخصية العمانية واعتدالها وعقلانيتها وثقافتها وروحها السمحة وسمتها الهادئة. أحد هذه النماذج الشيخ خالد المعولي، وهو شاب مثقف ذو خلق ومتواضع في الأربعينات من عمره ويرأس مجلس الشورى العماني منذ سنوات، وإعجابي الشخصي بخصائله وطباعه ورؤيته يزداد كل مرة ألتقيه. عمان الجديدة تشهد تطوراً تنموياً هائلاً، ولكن الأهم أن الإنسان العماني يحظى باهتمام كبير، وهذا ما يفسر قدرة وتميز الجيل الحالي من شباب وشابات عمان الجديدة.
ثمة اهتمام وإعجاب بتوجهات السياسة الخارجية العمانية الراهنة، وهي مع شقيقاتها الخليجيات دائماً تدعم التعاون الخليجي، وكان هناك تفهم واحترام للسياسة العمانية خلال العقود الماضية، وما اتسمت به من حياد وهدوء وعدم انخراط في سياسة المحاور. عندما توفي السلطان الراحل قابوس بن سعيد - رحمه الله - كان الملك سلمان أول الزعماء الواصلين إلى مسقط معزياً ومواسياً الشعب العماني في الفقيد الكبير. وجود الملك في مسقط آنذاك كان رسالة أيضاً عن مكانة عمان لدى الشقيقة الكبرى ورسوخ العلاقة التي تجمعهما وتأكيد لدعم الرياض للعهد الجديد وحرصها على استقرار السلطنة ورخاء شعبها وأهمية دورها الخليجي والإقليمي.
قرار سلطان عمان يُعد قراراً مفصلياً في تاريخ السلطنة لأنه يعني السيرورة وتثبيت انتقال سلطة الحكم وتعبيد الطريق للأجيال وتعزيز الاستقرار والتركيز على بناء الإنسان والتنمية، ما يعني الاستمرارية والبقاء نظاماً ودولة لتحقيق تطلعات الشعب العماني.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة